الإعلام الحربي – غزة:
هو الطالب المتميز، والمعلم المبدع ،والطبيب الناجح ،والقائد العسكري والمفكر ،والأديب ،والشاعر، والمربي ، والمؤسس لحركة الجهاد الإسلامي .. الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي .. الكتابة عنه تتطلب فريق عمل بين طياته كادر أدبي وعلمي وروائي .. ليبحر كل في تخصصه للدراسة والكتابة عن هذه الشخصية الفريدة .. هذا ما افتتح به الدكتور رياض أبو حشيش، الباحث والقيادي في حركة الجهاد الإسلامي حديثه عن الشهيد الشقاقي.
ويعد د. أبو حشيش من الباحثين القلائل الذين نالوا شرف الكتابة عن حياة وفكر وجهاد الدكتور المعلم فتحي الشقاقي، فنال أبو حشيش درجة الدكتوراة من جامعة الخرطوم عن رسالة بعنوان "سيرة د. فتحي الشقاقي من الميلاد حتى الاستشهاد".
قيادي منذ طفولته
عن مراحل طفولة د. فتحي الشقاقي، يتحدث د. أبو حشيش قائلا: تمتع الشقاقي بصفة القيادة والريادة منذ طفولته، فكان يسند إليه مدرس التربية الرياضية تشكيل فريق الصف وتقسيمه إلى مجموعتين ، فكنت ترى تلامذة المدارس تلتف من حوله ، وقلما تجده لوحده،فتجد الطلبة يحيطون به يستمعون لحديثه عن مشاكل وتعقيدات القضية الفلسطينية ، وكان يتجلى دوره الريادي أثناء مشاركاته في المناسبات الوطنية التي كانت تقيمها المدرسة".
وعن نبوغه الدراسي، يضيف أبو حشيش: دخل المدرسة في سن الخامسة من عمره أي دون السن القانوني الذي يؤهله لدخول المدرسة، فسأله مدير المدرسة بعض الأسئلة، فكان يرد بطلاقة ودون تلعثم ، وكان سريع الحفظ لدروسه ، ويحصل على المرتبة الأولى بامتياز، وفي المرحلة الإعدادية كان يلقي كلمة الصباح على الطلبة، وكان يعجب منه أساتذته من سلاسة أسلوبه وقدرته المتناهية على إقناع الآخرين ، وكان يشرف على مجلة الحائط المدرسية التي كان يكتب معظم موضوعاتها من الآيات القرآنية ، والحكمة ، كان يحب المطالعة وقراءة الصحف والمجلات".
ويوضح الباحث الفلسطيني أنه كان لأم الدكتور الشقاقي الأثر في تشكيل حياته، حيث زرعت في أولادها العزة والكرامة وتحمل المسئولية "فكانت تريد من فتحي أن يكون رجلا قبل أوانه تناقشه وتحاوره في أمور البيت، غرست في نفسه حب الناس ومساعدتهم وتحثه على تدريس أبناء الجيران، فظهرت هذه التربية في دور الأب الذي قام به أثناء سفر والده للعمل، فكان فتحي يستقبل الضيوف ويجلس معهم ، وكان المؤتمن على ما لدى الأسرة من مصروف يوزعه على إخوته ويتولى شراء مستلزماتهم الدراسية".
ثقافته الفكرية والأدبية
حول هذا العنوان يوضح د. أبو حشيش: تميز الشهيد فتحي الشقاقي منذ طفولته بقدرته الكبيرة على المحاورة وطرح الأسئلة التي تتعلق بالقضية الفلسطينية، ومن أجمل ما قاله أحد أصدقائه، تميز الشقاقي عنا بثقافته التاريخية والأدبية والفكرية ، وقدرته العالية على تحليل الأحداث والخروج عن مألوف التفكير ، و دعوته الدائمة لأصدقائه بالابتعاد عن التبعية العمياء ورغبه جامحة في مواجهة جيش الاحتلال".
انتمائه للفكر الناصري
"في الستينيات ساد الفكر القومي الناصري الذي عول عليه الفلسطينيون كثيرا لقرب الشعارات الثورية التي رفعها جمال عبد الناصر من قلوب الناس فتأثرت به الجماهير العربية ، وكان فتحي الشقاقي وقت إذ ابن الخامسة عشر فتأثر بهذا الفكر" قال الباحث أبو حشيش. ويذكر ما قاله الشقاقي عن نفسه ( كانت لدي تجربة سياسية داخل المدرسة ، أذكر أن موضوعات الإنشاء التي كتبتها في المدرسة الإعدادية محط اهتمام المدرسين بسبب ما تطرحه من قضايا سياسية).
ويبين د. أبو حشيش أن يوم وفاة والدة الشقاقي وهو في الصف الثاني الثانوي، والتي بكاها في قصائده عندما شبهه بيوم غياب القمر وخسوفه للأبد، كان من أهم الأحداث التي أثرت في حياة الأمين العام المؤسس للجهاد الإسلامي" وأردف بالقول: لم ينفصل همه الخاص عن العام، فكان لهزيمة العام 1967 أثرها الكبير في حياة الشقاقي، فبكى للمرة الثانية هزيمة لم يكن يتوقعها، وشكلت نقطة تحول كبرى في حياته".
التحولات الفكرية
كما يوضح الباحث القيادي أبو حشيش أن الشقاقي مر بعدة تحولات فكرية في حياته بدأها بالناصرية في سن الخامسة عشر متأثرا بالشعارات الثورية التي كان ينادي بها الرئيس جمال عبد الناصر، ثم الانتماء لحركة الإخوان المسلمين وخوض تجربتها الجهادية على أرض فلسطين، متأثرا بكتب سيد قطب التي اعتبرها مهمة لبناء العنصر الذاتي والعائدات الإيمانية والأخلاقية للإنسان المسلم".
ويكمل أبو حشيش مسترسلا عن سيرة الشقاقي: درس الشقاقي في مصر منذ العام 1974 والتي تعتبر من أخصب المراحل الفكرية في حياته لتوفر المصادر الثقافية والمتنوعة للكتّاب والمفكرين أمثال فهمي هويدي وسليم اللوزي ، ومحمد كشك ، ومحمد عمارة ، ومنير شفيق، فكانت هذه البيئة حاضنة للتأمل الفكري والتنوع المعرفي لدى الشقاقي، حيث كان يشكل حلقات للنقاش عن الصهيونية والتجزئة والتغريب، الحل الإسلامي الوحيد وسقوط الحلول البديلة، ومن أهم تلك الحوارات، موقع فلسطين في استرتيجية الإخوان المسلمين، وخلص الشقاقي إلى تحويل الأفكار التي آمن بها إلى حركة مجاهدة على ثرى فلسطين وإعادة صياغة المناخ الفكري والثوري للتجربة الفلسطينية وصبغتها بالصبغة الإسلامية، توجها الشهيد الشقاقي بتأسيس "حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين " بفكرها الذي أعاد فلسطين لمركزية الحركة الإسلامية ومحط أنظار العالم الإسلامي .
نشأة الجهاد الإسلامي
"جاءت حركة الجهاد لتكون نقطة التقاطع بين الوطني الذي غيب الإسلام عن فكره وثقافته، والإسلامي الذي توجه للتربية على حساب الجهاد، اتخذت حركة الجهاد الإسلام كدين وعقيدة ومنهاج حياة لتحرير فلسطين بوسيلة الجهاد الذي نعيشه في كل تفاصيل حياتنا" بحسب د. أبو حشيش. وأضاف بالقول: هذه المحاور الوطنية والإسلامية هي منطلقات حركة الجهاد التي لم تفصل بين الثوابت الإسلامية والوطني، لأن الوطنية لا تتعارض مع الإسلام، بل هي جزء منه، وأي ثوابت لا تنطلق من موقع فلسطين في عقيدة الأمة وثقافتها وتراثها وتاريخها وكل معوقات وجودها لن تصمد وستتبخر، فإسلام بلا فلسطين، وفلسطين بلا إسلام يعني فقدان البوصلة والدوران في حلقة مفرغة لا تنتج إلا مزيدا من الضعف والعجز والهوان".

