فتحي الشقاقي .. رجل من زمن النبوة.. بقلم الأستاذ : حسني العطار

الجمعة 22 أكتوبر 2010

ليس غريبا على فلسطين أن تنجب فارساً عظيماً ، ملأ الدنيا بصدق قوله وصدق فعله ، ففلسطين على مدار التاريخ منبت الرجال ، وصانعة الأبطال ، والتاريخ حلقات ، كل حلقة تنتهي بحلقة جديدة ، غالباً ما تكون أصلب مما قبلها ، وهكذا كان الأخ والصديق فتحي الشقاقي ، حلقة من أصلب وأقوى وأعظم حلقات تاريخ فلسطين المعاصر والحديث .

 

لقد عرفت الدكتور فتحي الشقاقي منذ نعومة أظفاره ، حينما كنا رواداً لمسجد الهدى بمدينة رفح الحبيبة ، ثم انتقلنا ، أنا إلى مدينة القدس طالباً للعلم ، وهو معلماً بمدرسة اليتيم العربي بمدينة القدس ، وهناك ازدادت العلاقة ، وكبر الفكر والعقل ، ثم كان الانتقال الكبير ، إلى مصر ، هو رحمه الله إلى الزقازيق طالباً للطب ، وأنا إلى مدينة القاهرة طالباً للدراسات الشرعية بالأزهر الشريف وكنا دائماً ما نلتقي في مدينة نصر " الحي السابع " بمدينة القاهرة ، مجموعة من شباب غزة ، وقلة من أبناء الضفة الغربية ، نتحاور ، ونتناقش ، همنا كان في ذلك الوقت ، الدين ، والوطن ، والكثير ممن شهد هذه الأحداث ، واللقاءات مازالوا من الأحياء .

 

لم يكن فتحي الشقاقي شاباً فلسطينياً عادياً ، يعيش وقته وأيامه كما يحياها كثير من الشباب ، بل كان إنسانٌ تلبّس بهَمِ الوطن ، وهَم الدين ، و أنا أعتقد أن نشأته كان لها تأثير كبير .

 

لقد كان هذا الرجل ، رجلاً استثنائياً في زمن استثنائي ، رجلاً ممن صنع حاضر وتاريخ فلسطين المعاصر ، صاحب فكر مستنير ، أضاء عقول الآلاف من شباب فلسطين ومصر ، وكثير من أبناء البلاد العربية و غيرها ، فهو إلى جانب كونه مقاوماً ، قاوم الاحتلال ، ودفع ضريبة المقاومة سجناً وإبعاداً ، هو صاحب قلم مبدعٍ شعراً ونثراً ، و كم كان استمتاعنا كبير حينما كنا نلتقي و نستمع إلى آخر ما كتب من قصص أو موضوعات أو قصائد شعر  .

 

كانت مقالاته في المجلات المصرية حينما كان طالباً هناك تلهب المشاعر ، والأحاسيس ، لهذا لا غرابة من أن تقوم السلطات المصرية باعتقاله لعدة مرات ، كان نهاية المطاف أن خرج هارباً من ملاحقة فلول النظام  و أجهزته الأمنية هناك .

 

ليس سهلاً أن يجتمع في الإنسان صدق الإخلاص ، و صدق العطاء ونهاية فتحي الشقاقي أثبتت أنه ممن اجتمع فيه صدق الإخلاص و صدق العطاء .

أن يقوم الشقاقي ويُكون تنظيماً عملاقاً ، رجاله مبثوثون في كل اسقاع الأرض ، وهو الملاحق عربياً ، وإسرائيلياً ، ودولياً ، واعذروني إن قلت فلسطينياً ، فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظيم قدر هذا الرجل ، وعلى القدر الكبير الذي ناله من توفيق الله له .

 

لقد دخل فتحي الشقاقي التاريخ من أوسع أبوابه ، تاريخ فلسطين ، وتاريخ الأمة العربية ، وتاريخ الإسلام المعاصر ، وتاريخ النضال العالمي من أجل التحرير ، والإنعتاق ، إنه باب الجهاد والشهادة .

 

إننا الآن نتذكر الشهيد العظيم في ذكرى استشهاده (26/10/1995) ، نتذكره والألم يعتصر قلوبنا لكثير من الأحداث .

     تعتصر القلوب لما حلّ بالأمة من تراجع وتخاذل ومذلة .

     تعتصر القلوب لما حل بالقضية من هزائم وصراعات ، مزقت الصف وفرقت الكلمة .

     تعتصر القلوب لما يحدث للقدس والأقصى ، من تدنيس وتهويد ، وتضييع للهوية الإسلامية .

     تعتصر القلوب لما حلّ بنا من انقسام ، مزقنا سياسياً و اجتماعياً ، مزقنا في مشاعرنا و أحاسيسنا، مزقنا فكرياً و ثقافياً و عقائدياً .

    فأين أنت يا دكتور فتحي الشقاقي مما نحن فيه الآن ؟؟!! 

    ما أحوجنا لفكر مثل فكرك ، و لقلب مثل قلبك ..

    إنها حقيقة .. في الليلة الظلماء يُفتقد البدر ..

     رحم الله الدكتور فتحي الشقاقي ، كان أمةٌ في رجل ، سبق جيله في كل شيء ، سبقهم في تحصيل العلم المدني والديني ، سبقهم في تدينه وأخلاقه ، سبقهم في التزامه الوطني والجهادي .

 

حينما كان معلمٌ لمادة الرياضيات ( على صغر سنه ) كان معلمٌ بارزٌ .

 

وحينما عمل طبيباً في مستشفى المقاصد الخيرية بمدينة القدس ، كان طبيبٌ رحيمٌ حانٍ ، محبوبٌ من الجميع .

 

وأنا حينما أتكلم عن رجل ، فإن الكثير ممن عايش وزامل هذا الرجل وعرفه عن قرب ما زالوا من الأحياء ، والذين يشهدون له بما نشهد كثيرون .

 

إن ما صنعه هذا الرجل على صغر سنه (44 عاماً) ، عجزت عن فعله جيوش وقيادات ، تبوأت مناصب ومراكز قيادية كبيرة ، أين زعماء الأمة وقياداتها وحكامها وملوكها وجيوشها وخبرائها الإستراتيجيون والعسكريون مما صنعه هذا الرجل العظيم ، و مما صنعه أبناءه وإخوانه من مقاومة للمحتل ، و من بعث لجيل جديد ، وإحياء للقضية في نفوس الأجيال بطعم عقائدي .

 

إنها ذكرى ألم وفرحة ، ألم لفراقه ، فهو عزيز على عقولنا وقلوبنا .  وفرحة لمكانته عند ربه ، مع النبيين و الصديقين . و فرحة  لزرعه الذي بذره ، فأخرج لنا من خلاله جيلاً اشترى اللهُ أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة .

 

إن رحلة الشهيد ، هي رحلة الدم الذي هزم السيف .

 

رحم الله قائدنا و بطلنا العظيم ، وبارك الله لنا في زرعه اليانع .