الإعلام الحربي – غزة:
لم ألتق الشهيد الدكتور الشقاقي رحمه الله،ولكن انسجاما في التفكير قادني إلى معرفته،عندما بدأت التحول من الاتجاه الوطني إلى الاتجاه الإسلامي كنت أبحث عن جهة تؤمن بفلسطين كما هو أشد الوطنيين تعصبا، كما لو أن فلسطين دينا وعقيدة، وفي الوقت ذاته تؤمن بالإسلام كأرضية ومنطلق وإطار وأهداف.
لا يمكن أبدا أن يكون هناك فصل بين الاسلام وفلسطين، فلسطين جزء من الإيمان والإسلام، هي أرض النبوات التي بدأت بآدم -عليه السلام-وانتهت بمحمد -صلى الله عليه وسلم- الذي أسري به إلى بيت المقدس وعرج به من هناك الى السماء.
كنت أؤمن أن الصراع هو على هذا الأساس، على أساس من أولى الناس بإبراهيم وموسى وعيسى -عليهم السلام-، من أولى الناس بداوود وسليمان عليهم السلام ((إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي))، فحتى لو ادعى اليهود حقا في فلسطين، وحتى لو كان صحيحا فنحن أولى الناس بموسى ونحن أولى الناس بميراث داوود وسليمان -عليهم السلام- ، نحن أتباعهم ونحن من يجب أن نواصل مسيرتهم بوصفنا حملة هذا الدين.
فلسطين هي الصلاة حيث فرضت الصلاة في هذا اليوم، فلسطين هي الاقتراب من الحضرة الإلهية ((كلا لا تطعه واسجد واقترب)).
بدأت العمل على هذا الأساس أنا ومجموعة من الأصدقاء الذين يحملون نفس الرؤية.
سمعت عن الجهاد الإسلامي وحاولت التعرف عليها إلا أنني لم أعرف أحدا من أعضائها حيث كانوا قلة. ولم أتمكن من مقابلة أحدهم.
كنت ذاهبا الى نابلس، إلى جامعة النجاح وذكرت ذلك لصديق طبيب كنا ذاهبين سوية فقال لي سوف أعرفك بشخص يجيبك عن هذه الأسئلة وكان يعرف الدكتور فتحي الشقاقي عبر عمله معه في مستشفى المطلع، وكنت أول مرة أسمع باسم فتحي الشقاقي.
وفي جامعة النجاح سألت أحد الإخوة في الجامعة إذا كان يعرف أحدا من الجهاد الاسلامي فأشار إلى شخص لم ألقه ذلك اليوم ليتأخر لقاؤنا واحدا وعشرين سنة. وشاءت الأقدار أن اعتقل في مساء ذاك اليوم ( ٩/ ١٢ / ١٩٨٥ ).
وهناك التزمت بحركة الجهاد الاسلامي وعندما قيل لي أنه لا يوجد جهاد إسلامي قلت لهم أنا، ومسكت على ذلك، وكنت أدافع عن الجهاد الاسلامي دون أن أعرف أحدا منها، ولكن كنت دائما أتصورها معادلة بسيطة (الإسلام وفلسطين)، فلسطين قلب الأمة وقضيتها المركزية، كنت أعتقد أن مشروع الأمة كلها مربوط بفلسطين، النهوض الإسلامي والوحدة والعودة إلى الإسلام، الانتصار على المشروع الغربي والمشروع الصهيوني الذي هو جزء من ذلك المشروع مربوط بالمواجهة مع هذا الكيان من أرضية إسلامية وحشد الأمة والتغيير في المنطقة مرهون بفلسطين ومرهون بحركة سياسية إسلامية جهادية تقود الشعب الفلسطيني وشعوب الأمة نحو النهوض، كنت أؤمن أيضا، بأن الجهد مهما بلغ لا يمكن أن يؤتي ثماره دون قيادة صحيحة ملتزمة تستثمر جهد الأمة في الاتجاه الصحيح، ولا يمكن أن نعتمد على قيادة لا تلتزم بالإسلام تستثمر جهد الناس باتجاه لا نرضى عنه.
شيئا فشيئا بدأت أتعرف على الجهاد الاسلامي عبر بعض المجلات كالمختار الاسلامي والطليعة وعبر الإعلام وبعض الأخوة الذين التقيتهم ، وبدأت أتعرف على الدكتور الشقاقي .
الدكتور الشقاقي عندما سمع أن هناك من ينتمي للجهاد الإسلامي في السجن حاول أن يزورنا في سجن جنيد إلا أنه منع من ذلك، وبعد ذلك دخل السجن ولم ألتق به، حيث كان في سجن غزة وعسقلان ونفحة وأنا كنت في سجن جنيد بنابلس، إلا أنه كان يتواصل معنا، وكنا نتعرف عليه عبر من التقوه في السجن، عرفنا كثيرا عنه ، عن علمه وعن جلده في الدراسة وعن أخلاقه، وعن حواراته (( قال لي أحدهم وهو مهندس من حماس كان يعرفه في مصر، لم أر شخصا أكثر جلدا منه بالداسة حيث كان يمضي ١٦ ساعة بالقراءة)).
عرفنا عن مشروعه الذي كنت أؤمن به حتى قبل أن أقرأ شيئا عنه، ولكن ذلك ع ّ مق فهمي لهذا المشروع وآمنت بهذه النظرية، وأنها هي طريق الخلاص لشعبنا الفلسطيني ولأمتنا الاسلامية.
وفعلا حملت حركة الجهاد الاسلامي في تلك الفترة لواء الجهاد وكانت الحركة الأكثر ذكرا في الإعلام، وتأثر كثيرون بهذه الرؤية الجديدة، وتعاطفوا معها ومنهم من انحاز إليها رغم معاناة التحويل في السجن .
حتى بدأت الانتفاضة التي لا ندعي أننا قمنا بها، ولكن كان لحركة الجهاد الاسلامي دور كبير وشرف في إشعال شرارتها.
أتذكر تلك الأيام وأتحسر أن لا تكون قيادة الشعب الفلسطيني لحركة الجهاد الاسلامي، كنت أقول لو كانت القيادة لحركة الجهاد الاسلامي على ضوء نظريتها لحدث تحول شامل على مستوى الأمة كلها. الانتفاضة شيء كبير استغلته قيادة الشعب الفلسطيني لتحقيق مسخ اسمه السلطة، بعدما كانت مشروع إنهاض للأمة كلها.
تعلمت من مشروع الجهاد الاسلامي، أن النجاح والانتصار لا يمكن أن يحدث بكمية الفعل والقوة، الفعل والقوة كميات متجهة كما هو معلوم في قوانين الفيزياء ،حتى يحصل الشغل ويكون إيجابيا، ويجب أن يكون الاتجاه صحيحا، وكنت لا أرى أحدا يستطيع أن يقود الشعب الفلسطيني بالاتجاه الصحيح غير حركة الجهاد الاسلامي.
الجهاد الاسلامي في تلك الفترة كانت عقلا كبيرا بدون جسم ، فكان مهما أن نهتم بالحجم وأن نبحث عن قيادة الشعب الفلسطيني، وعلى الأقل أن نكون مشاركين كبار في رسم سياسة المشروع الفلسطيني.
يجب ألا ننسى تاريخ وثمار هذه الحركة، ودور الشهيد الشقاقي في دفع التيار الاسلامي إلى ساحة المواجهة، ومن ينكر ذلك يكون من الذين ينكرون الحقائق وينسبون الفضل إلى غير أهله، ومن لا يَشكر الناس لا يُشكر كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
أقول هذا لكي لا يقرأ أحد الجهاد الاسلامي على أساس أنها تنظيم صغير يضاف إلى جملة التنظيمات الموجودة على الساحة، بل هي حركة عملاقة بما قدمته وبما أثرت به، كان لها ثمارها الكبيرة، عدا عن مشروعها المتكامل. يجب ألا ينسى أحد فضل حركة الجهاد الإسلامي، والاعتراف به جزء من التواضع الذي يجب أن يكون عند أبناء الحركة الإسلامية، وجز ً ء من الصدق الذي هو أهم خصائص المسلم.
يجب ألا ننسى الدماء الزكية وقوافل الشهداء الذين قدمتهم هذه الحركة، وعملياتها الجهادية المميزة رغم ضعف إمكاناتها مقارنة بالآخرين، والتي كان أبرزها عملية بيت ليد والتي كانت سببا في اتخاذ قرار تصفية الشهيد الشقاقي.
الشهيد الشقاقي اغتيل، ولكنه أحيا أمة بفكره وما قدمه لهذا الشعب، ولهذه الأمة، فهو مثال للشهداء الأحياء هو حي بفكره وحي بعمله الذي تكتب آثاره.
لم تتوقف حركة الجهاد الاسلامي بعد ذلك بل قدمت أكثر من الأول، وبرز عشرات القادة والرموز الجهادية الذين رووا أرض فلسطين بدمائهم الزكية.
والآن ورغم أن القرار عند كل أعداء الشعب الفلسطيني هو تصفية هذه الحركة فإنها أكثر تجذرا في الواقع وفي فكر الأمة.
لقد تعرضت حركة الجهاد الاسلامي لعملية تصفية مدروسة، ولكنها كانت تخرج دائما بشيء جديد لا يتوقعه أحد، حركة الجهاد الإسلامي، كما أعتقد وأتصور أنها سوف تكون من يخرج الحالة الفلسطينية من حالة الضياع والتيه الذي تعيشه، الحالة الفلسطينية بشقيها: الوطني الذي مسخ الوطن؛ والاسلامي الذي يريد أن يبني نموذجا إسلاميا في مكان وزمان غير نموذجي.
في هذه المناسبة التي نحيي بها ذكرى شاهد وشهيد بحجم الشقاقي، أدعو أبناء الجهاد الإسلامي أن يكونوا على مستوى المسئولية، وعلى مستوى هذا الفكر على مستوى هذا المشروع وعلى مستوى هذا الخط، وعلى مستوى هذا التاريخ، وأن لا نضيع في تفاصيل كثيرة كنا دائما لا نحاول أن نغرق أنفسنا بها كي لا نتيه مع التائهين.

