الاستشهاديان" ربحي الكحلوت" و"محمد أبو هاشم".. فارسان صنعا من دمائهم مجداً لايغيب

الثلاثاء 02 نوفمبر 2010

الإعلام الحربي – خاص:

 

قوافل يمضون.. ينتشرون في الأفق.. يتخللون في عمق الأرض.. ينبتون في كل يوم جديد ألف شهيد وشهيد.. يرسمون خارطة الوطن بدمائهم المباركة.. ويزينونه بأشلائهم المتناثرة.. ليبقى للحياة جمالها.. وللوطن معناه.

 

هكذا هم الشهداء دوماً على مر العصور.. منذ سمية وعمار.. والقسام وسيد قطب والشقاقي.. ووصولاً إلى شهيدينا محمد عبد الرحيم أبو هاشم وربحي أحمد الكحلوت وكل قوافل الطهر والنقاء.. التي أعلنت أنها لله جددت الولاء.. وبدمائها وأشلائها برهنت على الوفاء.

 

فالشهداء يعيدون تشكيل الحياة بزخم أكبر وبإبداع أعظم لتبقى الشهادة هي المعادل الموضوعي للحياة، فلا حياة ولا تاريخ لنا بدون الشهداء، ولا ماض ولا مجد ولا عبرة، فهم الذين يصنعون لنا المستقبل وليس المرجفون والمعاهدون على الصمت والنكوص، وتجارة الأوطان وبيع المقدسات.

 

سنبحر في سيرة أسطورتين في عالم الجهاد والاستشهاد.. جعلا من جسديهما قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.. فكانا رد الجهاد الإسلامي الأول والسريع على جريمة اغتيال الشهيد المؤسس د. فتحي الشقاقي في جزيرة مالطا بتاريخ 26-10-1995.

 

إنهما قمرا فلسطين رغم كل ما يحمله تشرين من حزن ممزوج بنصرٍ مجبول بدماء الأطهار، فأي عاشق لوهج الشهادة لم يسمع عن الزاهد العابد الصَّوام ربحي أحمد الكحلوت ابن مخيم جباليا الثورة ، ومن منّا لم يقرأ عن الشاب المهذب المتسامح محمد عبد الرحيم أبو هاشم ابن قلعة الجنوب الصامد "رفح"؟!

 

الاستشهادي المجاهد "ربحي الكحلوت" آثر الشهادة في سبيل الله عن الشهادة الجامعية

ميلاد فارس

ولد شهيدنا البطل ربحي أحمد الكحلوت "22 عاما" في مخيم الانتفاضة / الثورة جباليا في العام 1973م بعدما هُجّرت أسرته من قرية نعليا قضاء المجدل المحتلة بعد نكبة 1948 لتحط رحالها بين جنبات المخيم المنكوب، ولتقاسي بعدها ألم الفراق ولوعة الحنين إلى قريتها المغتصبة والسليبة ـ كما كل العائلات الفلسطينية المشردة والمهجَّرة ـ إلى الآن.

 

نشأ شهيدنا ربحي وسط عائلة  محافظة، ووالده يعمل في مجال جمع وتوزيع أسطوانات الغاز، ووالدته ربة بيت وله من الأخوة أربعة كان هو أكبرهم ومن الأخوات سبعة.

 

تلقى شهيدنا تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدرسة الفاخرة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين بالمعسكر وحصل على الثانوية العامة من مدرسة حليمة السعدية القسم العلمي حيث كان متفوقاً في دراسته، ثم التحق بالجامعة الإسلامية في كلية أصول الدين متمثلاً قول رسول الله r: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» ولكنه آثر الحصول على الشهادة في سبيل الله على شهادة الجامعة مترجماً مقولة (وعجلت إليك ربي لترضى) بدمائه وأشلائه لا بلسانه وأقواله.

 

صفاته

كان شهيدنا متمثلاً الإسلام دستوراً ومنهاج حياة.. فكان نعم القدوة للشباب المسلم المجاهد في سبيل الله.. فكان أبر ما يكون بوالديه وأرفق ما يكون الرفق بالفقراء والمساكين وأشد ما تكون الشدة على المعتدين.

 

وكان رحمة الله كثير الخطى إلى المساجد لا سيما مسجد الشهيد عز الدين القسام بمشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة.. كما كان صواماً.. قواماً معطاءً.. شجاعاً.

 

مشواره الجهادي

ما أن انطلقت شرارة الانتفاضة المباركة في الأراضي الفلسطينية حتى امتشق شهيدنا سلاحه المبارك ليواجه به أسطورة الجيش الذي لا يقهر!! فكان عليهم بمثابة طيور الله الأبابيل التي تقذفهم بحجارة من سجيل فتدمي بها جباههم وجنوبهم.

 

وقد التحق شهيدنا المجاهد في بادئ الأمر بصفوف اللجان الشعبية التابعة لحركة فتح حيث كان يشارك في كل فعالياتها بقوة وشراسة حتى شهدت له أزقة المخيم ببسالة وشجاعته، مما جعله عرضة للإصابة في المواجهات التي يخوضها ضد قوى البغي الصهيوني.. فأصيب عدة مرات كان إحداها بالرصاص الحي في يده.

 

وكما جرت سنة الله على نبيه يوسف عليه السلام بأن امتحنه الله بالسجن، فقد تعرض شهيدنا لهذا الابتلاء مرتين، وكان الابتلاء الأول في العام 1992، حيث أمضى 16 شهراً في سجن النقب الصحراوي، أمضاها في صفوف إخوانه من أبناء حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الذين شملوه بالرعاية وأحاطوه بالعناية.. فتشرب منه الوعي والإيمان والثورة، فخرج من السجن أكثر إيماناً بصوابية خيار الجهاد الإسلامي واشد تصميماً على المضي في نهجه والسير على طريق ذات الشوكة.. طريق الأنبياء والصديقين والشهداء.

 

وبعد خروجه من السجن أخذ يجمع شباب حارته ويعلمهم القرآن وأحكامه وينظم لهم دروس الوعي والإيمان والثورة.. ليصنع من بين صفوفهم جيلُ قرآني فريد.. لكن ذلك لم يدم طويلاً، فما هي إلا شهرين حتى عادت قوات الاحتلال لاعتقاله وكان ذلك في عام 1994م، ووجهت له تهمة الانضمام لجهاز القوى الإسلامية المجاهدة (قسم) الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وأخضعته للتحقيق في أقبية الموت هناك في سجن المجدل لمدة ثلاثة وأربعين يوماً، لكنه لم يُدل لهم بأي معلومة مما يريدون، فحكموا عليه بالسجن لمدة ستة أشهر أمضاها في سجن النقب الصحراوي بين صفوف إخوانه المجاهدين.

 

الشهادة

كان شهيدنا من التواقين إلى الشهادة دوماً، وكان دائم الحديث عنها وعن الأجر الذي ينتظر الشهيد في الآخرة، حيث جنان الله الفيحاء وما فيها من نعيم مقيم، مما جعل أهله يتوقعون استشهاده في كل لحظة.

 

وتقول والدة الشهيد أنه أخبرهم بأنه عاقد العزم على السفر إلى الأردن وذلك للدراسة هناك وقد جهز نفسه لذلك جيداً، وبعد وصول نبأ استشهاد الدكتور فتحي الشقاقي ـ الذي طالته يد الموساد في مالطا في 26-10-1995 ـ بيومين خرج مودعاً أهله ـ للأردن كما أخبرهم ـ ولكنه عاد إلى البيت لإشكالية معينة.

 

ولكنه لم ينتظر طويلاً مجسداً مقولة عمرو بن الحمام رضي الله عنه عندما ألقى ما في يديه من تمرات على الأرض قائلاً إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات، وتقدم مجاهداً حتى لقي ربه شهيداً.

 

ففي صبيحة يوم الخميس الموافق الثاني من نوفمبر 1995م، كانت فلسطين على موعد مع الفرح للانتقام لدم الشهيد القائد فتحي الشقاقي، وكان شهيدنا وبرفقة أخيه الشهيد محمد أبو هاشم على موعد مع الانعتاق إلى السماء حيث جنان الله الفيحاء التي وعد الله بها عباده من الصادقين والشهداء.. حيث فجر كلٌ منهما نفسه في قافلة من قوافل العدو في وسط قطاع غزة في الغدة الاستيطانية المسماة «غوش قطيف».

 

ويصف والد الشهيد ربحي ليلة خروج شهيدنا لتنفيذ وعد الله في الأرض وهو إساءة وجوه بني صهيون قائلاً: «إنه طريقه للخروج من المنزل للمبيت عند أخيه في دير البلح كما أخبرهم ـ طلب من والديه الترضي عليه، فكان له ما أراد وقال له والده: «الله يرضى عليك ويوفقك لما يرضى الله» فكبر شهيدنا ثلاثاً وخرج.

 

شعور الأهل

بعد وصول نبأ العمليتين الاستشهاديتين إلى مسامع عائلة شهيدنا أدركت العائلة أن ابنهم ربحي سيكون أحد المنفذين لإحدى هاتين العمليتين، وتوجهوا إلى مكان الانفجار فأخبرهم أحد المتواجدين في المكان أن رائحة المسك تفوح في المنطقة، ولكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى موقع الانفجار بسبب الإجراءات الأمنية في المنطقة.

 

وقد استقبل أهل الشهيد خبر الاستشهاد بمزيد من الصبر والاحتمال مدركين أن هذا هو قدر الله الذي لا بد نافذ.

 

ويصف والده أحد المشاهد التي رآها في منامه بصحبة «ربحي» بأنهما كانا في داخل بيارة من الخضار يسقي فيها الزرع ويَعِدُ والداه بأن يكون ثمرها له ولهما.

 

الاستشهادي المجاهد  "محمد عبد الرحيم أبو هاشم" سطر بدمه صفحات مجدٍ وعز 

 وبعد أن تعلو الروح الطاهرة إلى جنات الخلد… وتنعم بوعد الرحمن لتمسكها بنور الإيمان… يبقى نجمها يسطع في سمائنا الدنيا… وينير شغاف قلوبنا، وعشق الشهادة الذي خلفه لنا، وندرك أن الشهيد وحده هو الذي يضحى بالغالي من أجل أن نعيش نحن… من أجل ان تنبت الورود الحمراء التي اصطبغت بدمه فوق تراب وطنه، تعبق رائحتها الوجود… للأجيال مجداً عظيماً نملكه ونحتويه… يحاول أعداؤنا أن يسلبوه منا… وكلما فعلوا ذلك نظرنا لجبيننا… لنور نجومنا الذي يسطع ككوكب درى مخلد فوقه، فنزداد صلابة وتتسارع به أرواحنا لتفوز بالعلو.

 

الميلاد والنشأة

ولد الشهيد المجاهد محمد عبد الرحيم حسن أبو هاشم في مدينة رفح بقطاع غزة في 28/ 8/ 1977، ونشأ وترعرع في أحضان أسرة فلسطينية مهاجرة من قرية (يبنا) في فلسطين المحتلة عام 1948، حيث استقر بها المقام في المخيم الذي حمل نفس اسم القرية الأصلية «مخيم يبنا»، وكما كل أبناء المخيمات الصابرة تلقى شهيدنا تعليمه الابتدائي والإعدادي في مدارس الوكالة، ثم الثانوية العامة في مدرسة بئر السبع الحكومية، ثم واص شهيدنا تعليمه والتحق بجامعة الأزهر في مدينة غزة.

 

صفاته

نشأ الشهيد محمد في أسرة فلسطينية محافظة، حتث تربى على الأخلاق الفاضلة ومحبة الإسلام العظيم… فكان من رواد المساجد منذ الصغر، مما جعل الشهيد شاباً محبوباً من الجميع ومحط اهتمام الآخرين، حيث كان الشهيد أصغر أخوته حيث تتكون أسرته من خمسة أشقاء وأربع شقيقات.

 

وأصبح الشهيد دائم التردد على مسجد الهدى القريبت من منزله، فكان محافظا على صلاة الجماعة وقراءة القرآن.

 

مشواره الجهادي

كان للحس الإسلامي دوره في تحديد وجهة الشهيد محمد نحو حركة الجهاد الإسلامي… ومع تفتح وعي الشهيد على أصوات الرصاص الذي كان صداه يتردد في أذنيه حيث المواجهات الدامية في مخيمه، بدأ محمد يدرك من هم أعداء شعبه… كان عمره في ذلك الحين خمسة عشر ربيعاً… كان وعيه يسبق عمره… فالتحق باللجان الشعبية للجهاد الإسلامي في العام 1992 وكان يرس بخطه الجميل شعارات الانتفاضة المجيدة التي كانت تزداد اشتعالاً بدماء الشهداء.

 

وفي العام 1993 تعرض الشهيد محمد مع مجموعة من أخوانه في حركة الجهاد الإسلامي الى الاعتقال بتهمة الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي وصدر عليه الحكم بالسجن لمدة خمسة أشهر مضاها في معتقل أنصار على شاطىء غزة حيث رفضت إدارة السجون استقباله في معتقل النقب لصغر سنه، وكان للاعتقال دور كبير لديه في زيادة الوعي لدى لشهيد محمد، وفي التحول الكبير لديه على مستوى التفكير والسلوك… ومع نهاية فترة اعتقاله خرج محمد بخطوط واضحة للطريق التي اختارها وأدرك الشهيد أن الدم وحده هو قانون المرحلة… وأن دماء الشهداء تصنع أضعاف ما تصنعه الكلمات… شاهد اخوانه في حركة الجهاد ينطلقون نحو لقاء ربهم يوماً بعد يوم… شاهد اسلام حرب ومعين دامو وأشرف حرب وشريف الشيخ خليل… وأحمد وأيمن وآخرهم صلاح شاكر منذ عملية بيت ليد مع الشهيد أنور سكر… شاهد هؤلاء وغيرهم الكثير، فأيقن ان الشهادة دربه والجهاد سبيله.

 

الشهادة

كان الشهيد محمد قد بدأ خطواته الأولى نحو الشهادة بقيام الليل وقراءة القرآن وصيام النفل بعدة أشهر قبل استشهاده… كان طامحا الى لقاء ربه بعملية استشهادية نوعية ينتقم من خلالها لأبناء شعبه ولإخوانه في الحركة التي اغتالتهم إسرائيل حيث يقول محمد في وصيته: «إنني كنت أعد نفسي للانتقام للشهيد محمد الخواجا رئيس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي «القسم» ولكن الله سبحانه وتعالى إدخرني لأنتقم لسيد شهداء المقاومة الإسلامية في فلسطين الدكتور فتحي الشقاقى «رحمه الله».

 

وبدأ محمد يعد نفسه بشكل فعلى للشهادة مع انطلاق خبر استشهاد المعلم الفارس فتحى الشقاقى، الذي اغتالته يد الموساد الصهيوني في مالطا في 26/ 10/1995 عندما قررت القوى الإسلامية المجاهدة تنفيذ علمية تفجير انتقاماً للفارس ووقع الاختيار على الشهيد محمد ورفيقه الشهيد ربحى الكحلوت.

 

وفي صبيحة يوم الخميس الموافق 2/ 11/ 1995 انطلق الشهيد محمد وهو يقود سيارة ويسير بها في شارع الشهداء «كسوفيم» في انتظار قافلة المستوطنين حتى إذا اقتربت انطلق الشهيد تجاهها، وفجر سيارته في القافلة، ولتتناثر أشلاء المستوطنين وتنطلق روح الشهيد محمد الى ربها.

 

شعور الأهل

تقول والدته: شعرت أن محمداً هو الشهيد عندما شاهدنا نشرة الأخبار في التليفزيون الإسرائيلي، وشاهدنا الحذاء الذي يلبسه منفذ العملية، وأدركنا أن محمداً هو الشهيد الا أن هذا الأمر لم يتأكد كما يقول شقيقه الا عندما سمعنا في حفل تأبين الشهيد الدكتور فتحى الشقاقى بعد العملية بيومين ملثماً من القوى الإسلامية يعلن إسم محمد أبو هاشم وربحى الكحلوت فحمدنا الله ودعوناه أن يتقبل عمله ويرحمه ويغفرله.