لم يكن وعد بلفور وعد محبة أو أخوة من الغرب لليهود, وإنما كان وعد استغلال واستعباد ؛ استغلال لعصابات المشردين والمنبوذين من قبل الغرب ، وهم اليهود، في تشكيل قاعدة عسكرية متقدمة لاستعباد الشعوب العربية , ومنع تواصلها أو اتحادها أو تطورها , ولحماية الأنظمة الموالية للغرب, والتي كان لا بد من إنشائها بعد رحيل المستعمر. استغل الغرب هذا الكيان في فرض الهيمنة والسيطرة، على المنطقة, فأمده بكل الترسانة العسكرية اللازمة لتثبيت تلك السيطرة وإخضاع المحيط لرغباتهم, سواء بالترهيب أو بالترغيب . ما لم يحسب الغرب حسابه هو أن تحل بالكيان شيخوخة مبكرة, فيصبح كالأسد الهرم يزأر فلا يخيف, ويهاجم فلا يستطيع النيل من الهدف, بل يفر مولياً الأدبار. هكذا أصبح الكيان بفعل الجهاد والمقاومة والعناد الذي يواجهه من أبناء العقيدة وجنود الإسلام المختلفين تماماً عمن سبقهم , فهم لا يخشون ترهيب يهود أو أسلحتهم, ولا يهابون الموت , وهذا ما لم يحسب له مخططو الكيان ومعهم الغرب حساباً حقيقيا .
لقد اعتاد الكيان الصهيوني منذ عقود على أن يصول ويجول ويعربد في الساحات العربية ناشراً الرعب والخوف وقتما شاء، ولأي سبب شاء، وحتى دونما سبب, فقط لأجل الإذلال في أحايين كثيرة . كانت طبول حربه قوية وهائلة تفعل فعلها بمجرد انطلاق أصواتها , لتبدأ حناجر زعماء الأنظمة , والبكائين بإطلاق صرخات الرعب والتوسل والهرولة نحو الوساطات سواء الأمريكية أو الأوروبية لإيقاف تلك الطبول , مقدمين في سبيل ذلك كل أنواع الطاعة والقبول للشروط الصهيونية.
لقد كانت المرحلة الذهبية للمشروع الصهيوني ، والتي لا يحتاج فيها لشن الحرب, تهديداته كانت كافية لتحقيق كل مآربه , وحتى في حال الدخول في مواجهات عسكرية مع من يتجرأ على قول (اللا) , فتلك المواجهات عادة ما تكون سريعة وحاسمة معتمداً في ذلك على القدرات العسكرية المتطورة من طائرات ودبابات وجنود جيدي التدريب , يمتلكون روحاً معنوية عالية وصلت حد الغطرسة والتعالي.
أما في المقابل فقد كان الخوف السائد في معظم الأنظمة العربية يكبل طاقاتها، ويقيد مفاصلها عن الحركة والفعل لدرجة أن أصبح هنالك شبه قناعة ويقين بأن جيش الصهاينة لا يقهر, وقد غذت المنظومة الإعلامية الغربية هذه القناعة وقوتها , وشاركها بعض الإعلام العربي عن قصد في ذلك من أجل إيهام شعوبها بأن لا مجال لاسترداد الحقوق إلا بالسلام والكلام, أما القتال فليس له إلا نتيجة واحدة محسومة, هي نصر مؤزر للجيش الصهيوني ودمار مهول في الجانب العربي .
هكذا أوهمت الأنظمة شعوبها , وهكذا نفضت أيديها من القضية المركزية قضية كل العرب والمسلمين . كان اليأس والجبن يتغلغل حتى النخاع في أجساد تلك الأنظمة لدرجة أن جعلها تلاحق وتطارد كل من تسول له نفسه القيام بعمل مقاوم , فأغلقت الحدود أمام أي شكل من أشكال المقاومة، وجعلتها حدوداً آمنة للكيان الصهيوني . لقد كانت طبول حرب العدو من القوة بمكان جعلت معه كل الأنظمة تهرول إلى أحضان الكيان، وجعلت معه كل الحدود آمنة , لايستطيع أحد غيره استباحتها . فما الذي تغير الآن ؟ لقد صرنا نسمع أصوات طبول مثقوبة , لم تعد ترعبنا أو تخيفنا , ولم تعد تحقق أي هدف, أو تفضي لأي نتيجة مرغوبة من قبل الاحتلال مع أن قوته وجيشه وطائراته هي نفسها من حيث القوة والقدرة، بل ازدادت حداثةً وتطوراً, وازداد فارق ضخامة التسليح والقوة النارية لصالحه .
إن المتغير هو فرق الإنسان والتمسك بالعقيدة والإيمان وبعدالة القضية, واختيار النهج الصواب في السير نحو الهدف وهو نهج الإسلام وما يحث عليه من إعداد وجهاد واستشهاد . لم تكن قوة السلاح يوماً هي الفيصل, بل قوة العقيدة والانتماء, لذا فقد بدأت الصورة تنقلب , أصبح الرعب واليأس هو سيد الموقف في الكيان الغاصب, خصوصاً بعد محاولة استعادة أمجاده الزائلة بمحاولة تركيع مقاومة لبنان وغزة عن طريق شن أقصى وأقسى ما يستطيع من حروب, استعمل فيها خياراته المتاحة جميعها , فلم يفلح ولم يستطع إيقاف تشكل محور المقاومة والممانعة الصلب في المنطقة رغم التهويل الشامل الذي مارسه الحلف الصهيوأمريكي وتابعوه .
إذن فطبول حربهم ثقبت وهي على وشك التمزق, وما يحاولون بثه من رعب بالتهديد بالحرب أضحى من الماضي, وأنا أعتقد جازماً أن عملية التهويل التي يقوم بها الكيان الغاصب بالنسبة لسلاح المقاومة، والادعاء بأن المقاومة في غزة أو في لبنان تمتلك كذا وكذا من الصواريخ والعتاد و الأسلحة ما هو إلا تبريرات لجبهته الداخلية عن عدم قدرته على خوض الحروب كما كان في السابق, وتبرير أي هزيمة قادمة في حال حصول الحرب.ما كان بلفور ولا مؤسسو الكيان يتصورون هذه السرعة في تبدل الصورة وانقلابها حتى يصبح قاطنو الكيان من المرتزقة قلقين على مستقبلهم وحياتهم وحتى يدب اليأس في صدورهم . إن مثل الكيان الآن كمثل الأسد المحطمة أنيابه, يمتلك المخالب التي يستطيع بها الإيذاء والجرح, لكنه لا يستطيع التفتيت والأكل أو البلع, لذا فهو لن ينمو ولن يبتلع المزيد من البلاد .إنه والله هالك لا محالة , وإن غداً لناظره.

