تُبنى الجدران في فلسطين؛ في الداخل وعلى الحدود؛ لمنع التواصل داخلها، ومن أجل عزلها عن العالم. تلتف الجدران حول أعناق أبنائها؛ تحوّلت فلسطين إلى سجن كبير خانق. ما هو أكثر خنقاً ليس المكان وجدرانه؛ بل هو الإيديولوجيا التي تكبل يهود إسرائيل وتقودهم إلى العيش في الغيتو. انتقلوا من غيتو أوروبي إلى غيتو في فلسطين. كان هذا الغيتو الآخر خياراً لهم. اختاروه لأنفسهم منذ أن افترض هرتزل الأرض من دون شعب، ثم جاء جابوتنسكي بنظرية «الجدار الحديدي» للتعامل مع العرب بعد أن اكتشف أنهم شعب يسكن البلاد منذ أقدم العصور.
تحمي إسرائيل نفسها بالجدران، أو هي تظن ذلك؛ تساعدها بعض الأنظمة العربية. غريب أمر الجدران، في القرن الواحد والعشرين، في زمن الإنترنت والصحون اللاقطة وتدفق المعلومات إلى كل حجرة في المعمورة، وتدفق الأمكنة كما عبر أحد كبار الباحثين. من يستند إلى الكتب القديمة، إلى الكتب المقدسة، ليجعل منها سجلات عقارية، لا بد أن يعود إلى الجدران لتحديد الأرض، بل قضمها وضمها. في العصور الحديثة؛ لا بد لهؤلاء من القيام بكل شيء لإبراز إيديولوجيتهم القديمة الموهومة المبنية على سراب. معظم قادتهم متخصصون في علم الآثار (الاركيولوجيا)، وقد قضوا معظم حياتهم ينقبون عن آثار عبرية في فلسطين ولم يجدوا ذلك. اخترعوا الشعب اليهودي، كما يقول أحد كبار المؤرخين اليهود، فهل سوف يخترعون آثاراً عبرية ليدفنوها تحت الأرض ثم يكتشفوها؟
هناك جدار من نوع آخر في فلسطين. لا تحتاج إلى كثير من المعرفة ولا إلى كثير من الإيمان لتدرك أن البراق هو جدار الإتصال بالذات الإلهية. بحجة التنقيب عن الآثار ذاتها، يحفر الإسرائيليون تحت هذا الجدار مما يكاد يؤدي إلى سقوطه؛ مع أنّهم يدركون جيداً صلته بحائط المبكى الذي يدعون أنه يخص طقوسهم الدينية. يكاد الكاثوليك في العالم ييأسون من أفعال إسرائيل في فلسطين، حتى أن دولتين منهم، اعترفتا بفلسطين بحدودها في العام 1967. وهذا الأمر يمكن أن تكون له دلالته العالمية.
منذ بداية القرن التاسع عشر والصهيونية تُخترع، بإيعاز وتبني البروتستانتية التبشيرية، وتعيد اختراع الشعب اليهودي تحت عنوان الصهيونية، وتأتي به إلى فلسطين لاغتصاب أراضيها. استخدمت الصهيونية الرموز لتؤسّس واقعاً، من الدال أنشأت المدلول، رغم زيف الاثنين معاً. وتظن الصهيونية أنها بالقضاء على الرمز الإسلامي تقضي على المدلول الإسلامي، أما العرب فهم بنظرها كمّ مهمل. يكفي أن تضغط على محمود عباس، لتأخذه إلى طاولة المفاوضات، كي يوافق على الشروط الصهيونية. والشروط الصهيونية الأساسية هي أن لا يبقى في فلسطين من الفلسطينيين إلا ما يلزم إسرائيل من الخدم، وأن لا يبقى من يؤمن من العرب بفلسطين إلا من خسر عروبته وانتقل إلى الإيمان بـ«الإسلام هو الحل»، والإيمان الخلاصي، أو من جسّد الإيمان بالعروبة والإسلام معاً. تستطيع إسرائيل أن تنشئ جدران الفصل داخل فلسطين وحولها، لكن جداراً رمزياً واحداً لا تستطيع إزالته إلا بإزالة معظم الفلسطينيين والعرب والمسلمين. في هذه الحالة لن تستطيع إزالة المدلول بإزالة الدال عليه.
في فلسطين جزء كبير من رموز الإسلام واليهودية والمسيحية. لم يُجْدِ التقارب على أساس الإبراهيمية التي تجمع الأديان الثلاثة بالأصل الواحد، كما ظن أحد البابوات السابقين. ولم يُجْدِ مع إسرائيل التفاوض الذي يرعاه الأميركي المنحاز في سبيل إقامة الدولتين. تكاد المبادرة العربية لإقامة الدولتين تنتهي، والجهود الأميركية الحقيقية أو الموهومة لا تفلح؛ ويرفض الإسرائيليون كل الحقوق العربية ويفرضون شروطهم، لإنشاء الدولتين. ويكاد لا يبقى على طاولة المفاوضات، أو خارجها، سوى حل الدولة الواحدة. وهذا آخر ما ترضى به إسرائيل. يكاد الدعم الأميركي الكامل، بالمال والسلاح، يُعمي قلبها، حتى أنها سوف تنتهي بالدولة الواحدة من النهر إلى البحر، دولة نصفها عرب إلى ازدياد، ونصفها يهود إلى نقصان. يحاول اليهود التعويض عن نقصانهم باستيراد المزيد من اليهود في أوروبا الشرقية وغيرها، وهذا ما يعني استحالة كل حل يعرض على إسرائيل، وهذا ما يعني أيضاً إحباط الوسيط الأميركي المنحاز، وغضب الكاثوليكية والبروتستانتية غير التبشيرية وكل الإسلام. وربما عاد العرب واستيقظوا، وهنا ستكون الطامة الكبرى على إسرائيل. كان برنامجهم، هم والأميركيون منذ كامب دايفيد الأول هو الاستعاضة عن العروبة بالإسلام واستخدام الاسلام السياسي في الحرب الباردة ضد الاحتلال السوفياتي في الأفغان أولاً. أفلتوا المارد من قمقمه، فاذاً المشكلة الآن مع الإسلام الآن مهما كانت الفعالية.
تحفر إسرائيل بحثاً عن الآثار، تسابق الزمن، وهي تحفر قبرها بأيديها. ستطيح بالرموز، ستواجه الواقع. لن تؤدي سياستها إلى بقاء الأمور على ما هي عليه. سيصير اليهود أقلية. تكون إسرائيل كمن يحفر قبره بيده. يضاف إلى ذلك مقاومة الشعب الفلسطيني والشعوب الإسلامية الأخرى، والضغط المسيحي باتجاه حل من نوع ما، مع اعتبار خاص للقدس. لن يؤدي تغيير معالم القدس إلى فقدانها رمزيتها. ستبقى القدس رمزاً للمسلمين، ومحجة للمسيحيين، وستبقى القدس تعني كثيراً للمسلمين والمسيحيين. وستبقى فلسطين لكل الناس، وستبقى فلسطين عربية مهما كان عدد اليهود فيها. تعوّدت البلدان العربية على وجود الأقليات فيها. هذا هو طابع المنطقة الأساسي. سيجد اليهود أنفسهم شعباً كبقية الشعوب. لن يكون شعب الله المختار. لن تكون فلسطين لهم، كما يزعمون، وكما يسخّرون الذات الإلهية لذلك. لن يكون هناك حل إلا بأن يعترف اليهود بأنهم غير مميزين وغير إستثنائيين وعلى غير علاقة خاصة بالله. وسيجدون أن الدياسبورا كانت أنسب لهم دينياً من غيرها. لكنهم ربما لن يصلوا إلى هذا الاستنتاج في وقت قريب. وربما فضلوا حلولاً تدميرية على هذا الحل؛ في حال عدم القبول به. عند ذلك لا نعرف ماذا سيحصل.
كل ما نعرفه هو أن المسيحية لن تتخلى عن رموزها، وأن فلسطين لن تتخلى عن عروبتها، وأن الرمزية المسيحية لن تبقى في فلسطين دون الحفاظ على عروبتها.
كل ما نعرفه هو أن العقبة الرئيسية بوجه السلام في المنطقة هي إسرائيل وأن الأرض يجب أن تعود عربية. وهذا لا يتنافى مع بقاء اليهود فيها. وقد كان بعض اليهود فيها منذ قرون عديدة.
المهم هو عروبة فلسطين لا شيء آخر. وعلى الإسرائيليين أن يوافقوا، ولن يستطيع الأميركيون إنقاذهم من أنفسهم. لن تفلح الجدران حتى ولو ساهمت في بنائها بعض الدول العربية!

