الكيان الصهيوني إذ يبدو أوهن من بيت العنكبوت.. بقلم: زهير أندراوس

الأربعاء 15 ديسمبر 2010

 

 

أولا، على مدار 62 عاما تمكن الكيان الصهيوني من إجراء عملية غسيل دماغ مكثفّة للرأي العام العالمي والمحلي، أقوى دولة في الشرق الأوسط وأكثرها تطورا، أعتى جيش في المنطقة، هذا الجيش القادر على إلحاق الهزيمة بالجيوش العربيّة مجتمعة، واحة الديمقراطية في صحراء الدكتاتورية العربيّة.

 

ولكن خلال وإبان وبعد العدوان على لبنان في صيف العام 2006 بدأت هذه 'الأسطورة' تتهاوى وتتحطم، وحزب الله اللبناني تمكن بقوته المتواضعة، مقارنة بجيش الدولة التي تتبوأ المكان الرابع عالميا في تصدير الأسلحة، من تحطيم الدوكترينا، التي وضعها من يُطلق عليه الصهاينة لقب مؤسس الدولة العبرية، ديفيد بن غوريون، والقائلة إنّ حروب الكيان الصهيوني يجب أن تدور رحاها في أرض العدو، ومن ناحية أخرى، يجب أن تُحسم لصالحها خلال أيامٍ معدودة.

 

العدوان جعل بن غوريون يتقلّب في قبره: الجبهة الداخلية الصهيونية، تحوّلت إلى ساحة معركة، لأوّل مرّة في تاريخ الكيان الصهيوني يقوم ما يقارب المليون مواطن من الشمال بالنزوح أو بالهروب إلى مركز الدولة الآمن من صواريخ المقاومة، الحرب، خلافا لنظرية مؤسس الدولة، استمرت 34 يوما، ولم تُحسم: الكيان الصهيوني لم ينتصر، حزب الله لم يُهزم.

 

ثانيا: كانت حرب لبنان الثانية علامة فارقة ومفصلية في تاريخ النزاع الدموي والدائم بين الحركة الصهيونية، ممثلة بصنيعتها الدولة العبرية، وبين الأمّة العربيّة، بدأت الأسطورة تتحطم، أسطورة الدولة التي لا تُقهر، حاول الكيان احتواء الأزمة، ابتكر المبررات وساق التسويغات وشكّل لجان التحقيق، ولكن بعد مرور اكثر من أربع سنوات على المغامرة غير المحسوبة، كما يقول عرب الاعتدال والتواطؤ والتخاذل، التي خاضتها المقاومة اللبنانية، بقيادة حزب الله، وتحديدا في الثاني من كانون الثاني/ديسمبر من العام 2010، تبيّن أنّ عصر الهزائم قد ولّى قولا وقلبا وقالبا، وظهر واضحا وجليا أنّه لا حاجة بعد اليوم للصواريخ والقذائف، ولا للأسلحة التقليدية أو غير التقليدية.

 

 

عود ثقاب، مصحوب ومدعوم بغضب الأرض على ساكنيها، وبإحجام السماء الزرقاء، كان كافيا لكشف حقيقة دولة الاحتلال: واندلع الحريق الأكبر والأشد قسوة في تاريخ الكيان الصهيوني فأتى على الأخضر واليابس، وكشف للعالم برمته، من شرقه إلى غـــــربه، ومن شـــماله إلى جنوبه، عن عورات هذه الدولة، ولن تشفع لهم لجان التحقيق، ولن يساعدهم مهرجان تبادل الاتهامات في ما بينهم، فالحقيقة ناصعة، ومئات آلاف الدونمات المحروقة في الكرمل غير الشامخ، أكبر شهادة، أصدق تأكيد، وتأكيد أصدق، على أنّ الكيان بجبهته الداخلية يعاني من عاهةٍ مستديمةٍ، إنّه غير جاهز للحرب، كما أركانه ليسوا على استعداد للسلام ووقف سفك دماء الأبرياء بالأسلحة الفتّاكة والمحرمّة دوليا.

 

ثالثا: الجنرال موشيه بوغي يعالون، رئيس هيئة الأركان العامة الأسبق، ونائب رئيس الوزراء الصهيوني حاليا قال في كتابه (سبيل طويل قصير) إنّ عرفات شكّل تهديدا إستراتيجيا على الدولة العبرية، لافتا إلى أنّ عرفات كان يؤمن بوجوب القضاء على الكيان الصهيوني عن طريق عاملين: الأول العامل الديمغرافي، والثاني العامل الإرهابي، أي المقاومة، وعليه فهو لم يتنازل ولو مرّة واحدة، بحسب يعلون، عن الإرهاب ضدّ الدولة العبرية. كما يؤكد يعلون أنّ عرفات استخدم اتفاق أوسلو محطة في طريقه لإبادة الكيان، موضحا أنه تبنى نظرية خيوط العنكبوت قبل حسن نصر الله واحمدي نجاد وبشار الأسد.

 

وبحسبه فإنّ نظرية خيوط العنكبوت يقول إنّ الكيان هي دولة عظمى من الناحية العسكرية، ولكنّ المجتمع اليهودي في الكيان هو مجتمع لا ينقصه أيّ شيء، وعليه فإنّه لا يريد خوض الحروب، وبالتالي فإنّه بموجب هذه النظرية، يقول يعلون، أمن عرفات وبعده نصر الله ومن ثم الرئيس الإيراني أنّ الدولة العبرية هي مثل خيوط العنكبوت، فمن الخارج تراها قوية، ولكن عندما تدخلها تكتشف أنّها ضعيفة جدا وتتفكك. وباعتقادنا جاء حريق الكرمل ليؤكد بشكلٍ غير قابلٍ للتأويل أنّه لا حاجة لعمليات عسكرية ضدّ الكيان لتحويل النظرية العنكبوتية إلى واقعٍ، ولا غضاضة في هذه السياق تذكير يعلون ومن لف لفه بقول الله تعالى في كتابه الكريم:'مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ'(سورة العنكبوت).

 

رابعا: جميع المحللين الصهاينة، على مختلف انتماءاتهم صبوا جام غضبهم على تقصير وإهمال حكومات الكيان المتعاقبة في كل ما يتعلق بسلطة المطافئ والإنقاذ، سيارات ملائمة للمتاحف تُستعمل للإطفاء، وأدوات أكل الدهر عليها وشرب تستخدم لإخماد الحرائق، ورئيس الوزراء يتوجه شخصيا إلى زعماء الدول مستنجدا ومناشدا وطالبا المساعدة، وعن هذا قيل سبحان مغيّر الأحوال، الكيان بجلالته وعظمته يلجأ إلى قبرص وتركيا وبريطانيا وفرنسا للحصول على مساعدات في احتواء (الكارثة الوطنية)، تستأجر أكبر طائرة في العالم من حليفتها، أمريكا، للسيطرة على حريق اندلع في الجبل، وستدفع نصف مليون دولار رسوم استئجار وتأجير.

 

أين سلاح الجو الصهيوني، الذي يتباهى به كل صهيوني ولدته أمّه، شبع حليب العنصرية وتشبّع بكراهية جميع الناطقين بالضاد؟ كتبوا عن الإهمال، أسهبوا في شرح التقصير، ووصلت الوقاحة والعنجهية بأحدهم، أمير أورن، محلل عسكري في صحيفة 'هآرتس' العبرية، الذي انتقد حكومته في مقالٍ نشره (06.12.10) لأنّها سمحت للطائرة الروسية، التي ساهمت إلى حدٍ كبيرٍ في إخماد الحريق، بتصوير المواقع الإستراتيجية الصهيونية، ولكنّهم جميعا وبدون استثناء لم يضعوا الأصبع على الجرح النازف: ماذا سيحدث لنا ولهم، لنا في الداخل، ولنا العرب في الوطن العربيّ، لو اندلعت، كما يُهددون، حرب شاملة، يتمّ خلالها، حسب السيناريوهات التي تُعدّها مراكز أبحاثهم، استعمال الأسلحة غير التقليدية: أي بصريح العبارة الكيماوية والبيولوجية والنووية.

 

للتذكير فقط نذكر في هذه العجالة أنّ رأس حربة الشر والإمبريالية في العالم قصفت بالقنبلة النووية في العام 1944 مدينتي هيروشيما وناغازاكي في اليابان، أي قبل 66 عاما، وحتى اليوم ما زال الأطفال يولدون في المدينتين مع عاهات، لا نريد أن نتخيّل، كم تقدّم العلم والتكنولوجيا منذ ذلك الحين وحتى اليوم، وكم باتت الأسلحة النووية فتاكّة، هذا هو مربط الفرس، وهنا بيت القصيد.

 

وإذا كان الصهاينة يؤمنون، ونحن نميل للترجيح بأنّهم يؤمنون بأنّ على هذه الأرض ما يستحق الحياة، عليهم تنظيم حملة شعبية داخلية لنزع أسلحة الدمار الشامل، التي تمتلكها دولتهم، بحسب المصادر الأجنبية، عليهم أن يعملوا على إزالة هذا الخطر المحدق بجميعنا من بيتنا، قبل وخلال معركتهم المصطنعة لمنع إيران من الوصول إلى القنبلة.

 

عندما قال وزير الأمن، إيهود باراك، إنّه إذا أقدمت إيران على مهاجمة بلاده، فإنّ الكيان سيرد ويعيد الجمهورية الإسلامية عشرات السنين إلى الوراء، وزاد أنّه لن يبقى في إيران من يعد ومن يحصي الجثث، ولكن ما لم يقله وزير الأمن، ماذا سيحدث لدولته وماذا سيحل بسكانها؟ ونكتفي في هذه العجالة بالاشارة إلى أنّ مركز الأبحاث الأمريكي (سابان) نشر مؤخرا دراسة إستراتيجية أكد من خلالها أنّ 800 ألف مواطن صهيوني سيلقون حتفهم في حال اندلاع حربٍ بين الكيان الصهيوني وإيران.

 

ما قبل النهاية: الحق، الحق أقول لكم، قال السيّد المسيح عليه السلام، ونحن نُردد وبصوتٍ عالٍ، بدون صعوبة في التنفس والتنفيس جراء تلويث الجو من كارثة الكرمل: لم نفرح بحزنهم، لم نحزن بفرحهم، لم ولن نفرح بفرحهم، وبطبيعة الحال لا نحزن بحزنهم.