إذا أراد الشعب أن يختار بين نهج المقاومة أو مسار التسوية واتفاقيات السلام مع الإسرائيليين، فأيهما يختار، إذا كان التفاوض السلمي هو طريق للتسوية فما هي وسيلة الضغط التي تجبر الخصوم على تلبي مطالب الشعب وعلى ماذا يعتمد المفاوض في طريقة نضاله في التفاوض، إذا كانت الشرعية الدولية وبنود الأمم المتحدة وقراراتها هي الركيزة للوصول إلى الحقوق، فهذا هراء وعبث ما بعده عبث.
فطالما كانت هناك الكثير من القرارات الدولية التي صدرت عن الأمم المتحدة لم تعيد لنا الحقوق، ولم تردع العدو الصهيوني عن طغيانه، ولم تردعه من الاعتداءات على الآمنين ولا على الأماكن المدنية بل لم تمنعه من التعدي على دوائر الإغاثة ومقار الأمم المتحدة نفسها فهذه مذبحة قانا حينما احتمى المدنيون في مقر الأمم المتحدة في لبنان ومدارس غزة في حرب الفرقان، فالدول الغربية المتحكمة في زمام الأمم المتحدة هي التي صنعت الدولة العبرية لأن مصالحها مرتبطة معها وهم مصممون على أن تكون دولة ما يسمى (إسرائيل) دولة قوية وذات نفوذ، لذلك لا يظن المفاوض العربي أو الفلسطيني أن الغرب خصوصا الولايات المتحدة التي تدعمها بكل ما أوتيت من قوة وعتاد أن تضغط على وليدها المدلل، ما أخذ بالدم لا يسترد إلا بالدم هذا شعار..
ماذا جلب لنا خيار التفاوض والسلام الذي بدأه أنور السادات في كامب ديفيد إلا الهزيمة والعار في بيروت ومذابح صبرا وشاتيلا، وماذا جلب لنا التفاوض والتنسيق الأمني مع الملك حسين إلا ذبح الفلسطينيين في أيلول الأسود وإغلاق الحدود الشرقية عن الفلسطينيين، وماذا كانت نتيجة التفاوض واتفاقيات العار والهزيمة مع أبو عمار إلا أن يصبح شرطياً لخدمتهم فيعتقل أبناء وطنه ويعذبهم في السجون، تحت مسمى التنسيق الأمني الذي كان له أكثر الضرر على الشعب الفلسطيني وقامت سلطة أوسلو المبنية على التفاوض بخدمة الدولة العبرية على الوجه الذي لم يتوقعوه ولم يحلموا به أبدا، ولا يدري المفاوض أنهم أتوا به إلا ليخلصهم من المقاومة الإسلامية في الأراضي المحتلة من التنظيمات التي شعارها هو الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ولا تعرف أنصاف الحلول ولا تعرف للمهادنة طريقا أو طوق نجاة كما الآخرون.
التفاوض هو أسلوب المهزومين وهو نهج المتخاذلين هو طريق التنازلات عن الحقوق والثوابت, الكل يعلم أن المفاوضات من أجل السلام يعني سلاماً لليهود فقط وليس للعرب إلا سراب والركض خلف الأوهام، ولا خيار للشعب الفلسطيني إلا خيار المقاومة والمقاومة فقط وإذا تعب أحدهم من المقاومة فليترجل عن صهوة فرسه وليترك زمام المقاومة للجيل الذي يخلفه ولمن لم يتعب، فالمقاومة خيار لا بديل عنه ليرفع علم المقاومة عاليا ولتسقط راية المفاوضات .
لأن المفاوضات هي ستار للعدو الصهيوني يختبئ خلفه لتنفيذ مخططاته في العدوان على الشعب الفلسطيني وحصار مدنه وخنق أسباب عيشه فيه من خلال الاستيطان والتوطين، فـ(إسرائيل) تريد من المفاوضات سلاماً لها وتريد أن تبقى حالة ما يسمى لا حرب ولا سلم مع الفلسطينيين حتى تكتمل مخططاتهم في بناء أكبر قدر من المستوطنات حول المدن والقرى الفلسطينية لخنقها وتفتيت تماسكها وسرقة أراضيها وتهويدها وتشريد سكانها بغرض صنع تجمعات فلسطينية مبعثرة لمنع بناء دولة لهم في المستقبل ولتكون للفلسطينيين كياناً غير قادر على الحياة إلا بلطف من الدولة الصهيونية فلا تواصل للفلسطينيين بين مدنها إلا بإذن من دولة (إسرائيل) العطوفة.
فالمفاوضات منذ أوسلو قبل سبعة عشر عاماً تقريبا ما زالت تراوح مكانها ولم تجلب للشعب الفلسطيني الأمن ولا الأمان ولم تعيد لهم الحقوق التاريخية ولا أرض آبائهم وأجدادهم، ولم تعود باللاجئين في الشتات إلى ديارهم ولم تخرج المعتقلين الأسرى من سجونهم ورفات الشهداء من قبورهم.
إن طريقة اليهود منذ أن كانوا هي التفاوض من أجل التفاوض حتى السراب والمساومة حتى المتاهة، لقد جاءت أوسلو عقيما ولم تلد إلا خزيا وعارا ولدت فأرا يقضم في لحم الجسد الفلسطيني المهترئ ولدت سما ليتجرعه الشعب الفلسطيني موتا.
أخيراً أقول لمن أراد الغرب أن يكون ممثلا للشعب الفلسطيني إذا أراد أن يكتب له التاريخ اسمه على صفحاته البيضاء كمناضل شريف فعليه أن يستقيل وينسحب ليس من المفاوضات فقط بل من كل اتفاقيات أوسلو برمتها الأمنية السياسية ويترك القضية في حجر الأمم المتحدة لتتحمل وزر جرائمها الإنساني والأخلاقي في حق الشعب الفلسطيني المنكوب.

