بقلم: توفيق السيد سليم
المتابع للمواقف السياسية لفصائل العمل الإسلامي والوطني على الساحة الفلسطينية منذ انعقاد مؤتمر التفريط في مدريد (1991م)، وما تبعه من إفرازات ومؤتمرات واتفاقات على ذات النسق الانهزامي والخياني، ترمي في مجملها إلى إذابة الحق الفلسطيني وتصفيته وطمسه لمصلحة الكيان الصهيوني الغاصب، لا يملك إلا الوقوف إجلالا وإكباراً للمواقف المشرفة التي سجلتها حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، والتي دافعت منذ نشأتها -ولا زالت- عن الحق الفلسطيني وثوابته ومقدساته في وجه سماسرة الأوطان والتاريخ والزحف السرطاني الصهيوني نحو قلب الأمة، مُقدمةً في سبيل ذلك خيرة أبنائها وكوادرها وقادتها شهداء وجرحى وأسرى ومنفيين، وما ضعفت وما استكانت وما بدّلت تبديلا.
ففي قراءة سريعة لمعظم المواقف والسياسات العامة التي تبنتها الحركة منذ نشأتها، نجد أن الثبات على المبادئ والرؤى النابعة من عمق القرآن والإدراك الحقيقي للواقع السياسي، هو القاسم الوحيد والمشترك في تلك المواقف ما يؤكد انسجام الحركة مع ذاتها وشعاراتها وأيديولوجياتها.. بدءا من محاولات التطويع والدمج في منظمة التحرير الفلسطينية، والانخراط في العملية الانهزامية التي سجلت "مدريد" أولى محطاتها، حيث أعلنت "الجهاد" في حينها وخلال انعقاد الدورة التاسعة عشر للمجلس الوطني رفضها المطلق للخطط والمشاريع السياسية المطروحة أمام المجلس والداعية في حينها إلى الانخراط في العملية التفاوضية مع كيان الاحتلال، قبل أن يقر ذات المجلس وفي دورته العشرين تلك المشاريع، وذلك يدل على عمق الوعي السياسي المنبثق من حقيقة الفهم الكامل للقرآن الكريم فيما يتعلق بقضية فلسطين والتعامل معها باعتبارها وقفا للمسلمين لا يجوز التصرف فيه أو التنازل عن حبة تراب من أرضها المجبولة بقوافل الشهداء منذ عهد النبوة المباركة إلى يومنا هذا.
وأمام سيل الإغراءات بالمال والمناصب والسلطان جددت الحركة تمسكها بثبات بمواقفها، عند الإعلان عن الاتفاق الأكثر شؤما في تاريخ القضية الفلسطينية اتفاق "أوسلو" (1993)، الذي أُعلن بموجبه ضياع (98%) من أرض فلسطين التاريخية -وفق ما صرح به في حينه مسؤول دائرة المفاوضات في منظمة التحرير د.صائب عريقات-، فيما قال د. الشقاقي حينها: "إن هذا الاتفاق ليس سوى تحالف بين الدولة العبرية والحركة الصهيونية من جهة وبين حفنة فلسطينية صغيرة وقليلة حقا.. تحالف ضد فلسطين وضد الأمة العربية والإسلامية، لترتيب المنطقة تحت نعال بني إسرائيل، وشعبنا سيكون الجسر والمعبر.. إنهم يبيعون 98% من أرض فلسطين بما في ذلك القدس مقابل حكومة ذاتية أو بلدية على 2% من أرض فلسطين".
كلام الدكتور المفكر لم يكن من باب الترف السياسي والفكري، وإنما وجد ترجمة حقيقة له على أرض الواقع ممهورة بالدم، عندما تقدم المجاهد (علاء الدين الكحلوت) -الاستشهادي الأول في الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي المعروف في تلك الفترة باسم القوى الإسلامية المجاهدة "قسم"- لواء أسد الله الغالب، ليعلن رفضه ورفض الحركة الاتفاق المشئوم هناك في "أسدود" المحتلة، ولتتوالى بعدها سلسلة العمليات الفدائية والاستشهادية لتؤكد صدق موقف الحركة الرافض الانخراط في مستنقع الرذيلة السياسية.. عندما رفضت المشاركة (ترشيحا وتصويتا) في الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية الأولى عام (1996) ما جعلها مجددا أمام اختبار حقيقي مع السلطة الفلسطينية التي أمعنت في اعتقال وتعذيب وملاحقة كوادرها والزج بهم في سجون "أوسلو"، إلا أن ذلك لم يفتّ في عضدها وجعلها أكثر تمسكا وتشبثا بمبادئها وأفكارها وأطروحاتها.
وخلال السنوات القليلة الماضية التي أعقبت اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة، أثبتت "الجهاد" ذات الصدق في الرؤية والمنهج، عندما رفضت المشاركة في الانتخابات التشريعية في كانون الثاني/يناير (2006)، وتسجيل بعض الملاحظات الجوهرية على وثيقة الوفاق الوطني المنبثقة عن الأسرى في سجون الكيان في حزيران/يونيو من ذات العام، وما تلاها من رفض للمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية التي تم تشكيلها في آذار/مارس 2007م، إيمانا منها بأن الانخراط في أي حكومة فلسطينية في ظل الاحتلال، إنما يأتي استجابة ورضوخا وارتهانا لاتفاق "أوسلو" ومظلته التي تتساوق وتتقاطع مع المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية.
وها هي الحركة الآن تجدد البيعة مع الله أولا وشهدائها وكل المحبين لخيارها الأكثر نضوجا ووعيا وإدراكا لكل ما يحيط بفلسطين الإسلام والهوية والتاريخ عبر إعلانها الصريح عدم الانخراط في أي حكومة فلسطينية محكومة بسقف "أوسلو"، وذلك بعد أيام من تأكيدها أن السلطة باتت عبئا على الشعب الفلسطيني، مشددة على أن الأولوية الآن لرأب الصدع الداخلي استعدادا للمواجهة القادمة مع الكيان "الاستئصالي" الذي يهدد الوجود الفلسطيني برمته. وهكذا ستبقى حركة الجهاد النابضة بوحي "الإسراء" عصيّة على التهجين والتذويب، وستبقى الأكثر ثباتا والأكثر انسجاما مع ذاتها ومفرداتها السياسية والفكرية والأدبية والأخلاقية.

