الإعلام الحربي – غزة:
أشلاء وجثث قد تناثرت هنا وهناك... وأعمدة من الدخان الأسود قد تصاعدت في سماء المنطقة من شدة القصف وعنفوانه... صرخات أطفال ونساء وشيوخ صدحت في أرجاء المكان... فأسكتتها أصوات القذائف وزخات من الرصاص العشوائي، وطفلة صغيرة لم يتجاوز عمرها ساعات حرمت من رؤية والدها الذي أذن في أذنها قبيل استشهاده بدقائق أذانه الأخير، وأم كانت تجلس بالقرب من النار تطهوا الطعام لأطفالها، فخرجت على وقع القذائف لتجد فلذتي كبدها وابنتها مدرجين بدمائهم فألقت بجسدها فوق احدهم وحضنته بعمق ولسان حالها يقول:" سأحميك يا فلذتي بجسدي من هذا العدو الغاشم فانا يا ولدي قد عشت طويلاً فعش أنت فأمامك مستقبل قد يكون واعداً".
في مشهد تجسدت فيه كل معاني الأمومة والتضحية، وما ان سمع المواطنون صوت انفجار أول قذيفة حتى هرعوا إلى منزل عائلة فياض لإنقاذ الجرحى، ولكن قذائف ورصاص الاحتلال لاحقتهم داخل المنزل لتوقع فيهم القتل، لقد تحول المكان إلى ما أشبه ببركة من الدماء في محيط منزل عائلة فياض مما ضاعف عدد الشهداء إلى سبعة خمسة منهم من عائلة المواطن حمدان فياض 79عاماً، واثنان من أبناء المنطقة فيما أصيب من أربعة أشخاص آخرين وصفت جراح بعضهم بالخطيرة.
دقائق مرت وما أطولها من لحظات، وكأن عقارب الساعة قد توقفت لحظتها عن المسير، ثم ما لبث أن سكتت كل أصوات وتوقفت آلت الحرب الصهيونية عن القتل والتدمير، لتصحوا المنطقة بأكملها على مجزرة جديدة يندى لها جبين الإنسانية.
لم تكن مجزرة الأمس القريب أولى المجازر التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني بحق عائلة فياض، فقدت كانت مجزرة عام 56 التي راح فيها أكثر من عشرون شهيداً من تلك العائلة فقط كما أن الذاكرة الفلسطينية مليئة بالمجازر الصهيونية فمن مجزرة قانا ودير ياسين وصبرا وشاتيلا إلى مجزرة عائلة العثامنة، وعائلة غالية وبيت حانون، وغيرهم كثير.
وقال أبو زيد فياض 57عاماً أحد شهود عيان :" ليس غريباً أن يكون ضحايا مجزرة عام 2008م هم أنجال وأحفاد من سقطوا شهداء في مجزرة خان يونس عام 56"، مؤكداً بأن المجزرة الجديدة جرت أحداثها في ذات المكان والوقت الذي جرت فيه مجزرة خان يونس عام 56م .
وصف محمد اللحام22عاماً احد شهود العيان ما رأى قائلاً:" لا يمكن وصف ما جرى إلا بأنه مجزرة قد تمت في وضح النهار بإصرار وتعمد حيث كان رتل من الدبابات الصهيونية يقف على بعد 150متر فقط من منزل المواطن حمدان فياض حيث فتحوا نيران أسلحتهم الرشاشة وقذائفهم اتجاه منزل عائلة فياض في صورة لم أشاهدها من قبل" مؤكداً انه شاهد جثث قد تقطعت أشلاء وتبعثرت في أرجاء المكان وأخرى قد احترقت ومن شدة القصف ودماء قد ملأت ساحة المنزل وجدران قد مزقها الرصاص وشظايا القذائف المتفجرة".
في لقاء مع احد الناجين من المجزرة محمد فياض الذي لازال يرقد على سرير الشفاء في مستشفى ناصر بخان يونس اثر إصابته إصابة بالغه في أنحاء متفرقة من جسده قال بصوت شاحب وعيون قد اغرورقت بالدموع وجسد قد مزقته قذائف الاحتلال :" لقد فقدت في تلك المجزرة كل مالي في هذه الدنيا، ولم يعد هناك شيء ممكن أن افقده بعد أمي الحاجة كريمة 61عاماً، وأشقائي أحمد31عاماً، وسامي 29عاماً،وأختي، وابن خالي محمد خضير.
وأضاف فياض أن كل شيء في بيتهم كان طبيعي قبيل المجزرة كما كل يوم، حيث كان وإخوته يجلسون في حديقة المنزل يتبادلون أطراف الحديث، فيما كانت والدته الحاجة كريمة وأخته أسماء يعدون طعام الإفطار على نار الحطب، لتتفاجىء الأسرة بأصوات القذائف المنهمرة على المنزل بدقة متناهية، مضيفاً إلى انه وأشقاءه الاثنين سامي واحمد قد أصيب لحظة سقوط القذيفة الأولى، فيما أصيبت والدته بعدة رصاصات بينما كانت تحاول حمايته لتسقط مدرجة بدمائها فوق جسده، فيما أصيب لحظتها بحالة من الإغماء.
وأشار فياض إلى أن شقيقه أحمد لم يكد يفرح بطفلته "فتح" التي لم يمضي على ولادتها قبيل استشهاد والدها ساعات لتعيش "فتح" حياة اليتم والحرمان من حنان والدها الذي قتله رصاص الاحتلال تحت مرأى ومسمع من العالم أجمع الذي لم يعد يمتلك أدنى مقومات الشجب والاستنكار.
صمت محمد فياض هنيهة وكأنه قد عاد بذاكرته إلى تلك اللحظة المؤلمة في حياته ليقول:"عزائي أن أمي وإخوتي وابن خالي قد سقطوا شهداء كما أجدادي عبد الرحيم وعبد الرحمن في مجزرة 56".
وعبر مركز الميزان لحقوق الإنسان،عن استنكاره الشديد للجرائم الصهيونية المتواصلة بحق المدنيين بما فيهم أطفال ونساء، مبدياً استغرابه من حالة الصمت المقيت الذي يسود المجتمع الدولي، ولا سيما الأطراف الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة.
وأكد أن الصمت الدولي هو بمثابة ضوء اخضر شجع الاحتلال الصهيوني على ارتكاب المزيد من الجرائم.وطالب مركز الميزان الأطراف المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة، ومجلس الأمن، والجمعية العامة، وكافة مؤسسات، وهيئات المجتمع الدولي بضرورة التحرك العاجل لتوفير الحماية الدولية للسكان المدنيين وممتلكاتهم، والعمل على ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة، ومن أمروا بارتكاب هذه الجرائم.

