الإعلام الحربي – خاص:
لم يكن الأسير المحرر حسن عبد الرحمن محمد الكحلوت ابن الـ 34 ربيعاً من سكان مخيم جباليا والذي تعود أصوله إلي قرية نعليا داخل فلسطين المحتلة ، ليطيق الابتعاد عن وطنه والعيش في الغربه حتى لو كلفه الأمر أن يعيش غربة أخرى خلف القضبان ولكن داخل وطنه فلسطين ولم تزد تجربة الأسر مجاهدنا إلا عشقاً لهذا الوطن وثراه .
سبع أعوام قضاها متنقلا بين سجون وزنازين الاحتلال الصهيوني الظالمة لم تزحزحه عن عشق وطنه أو حتى عن مسيرة التحرير حاملاً في ثناياه نهج الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي الذي اتخذه المثل الأعلى له بعد الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم.
عملية الاعتقال
تمت عملية اعتقال الأسير المجاهد "حسن عبد الرحمن الكحلوت" في تاريخ 23/4/2004م، أثناء قدومه من المنطقة الجنوبية لقطاع غزة الساعة الثامنة صباحاً. وحين قدومه من منطقة الجنوب في قطاع غزة أوقفه الجنود الصهاينة المتواجدون على حاجز "أبو هولي" –سابقا- وبدأو بتفتيشها واحدة تلو الأخرى، ولما وصلوا للسيارة التي كان يستقلها أسيرنا المجاهد أنزلوا كل من في السيارة واعتقلوا الأسير المجاهد "حسن الكحلوت".
المحاكمة ... والتهم الموجه للأسير
تم تقديم أسيرنا المجاهد "حسن عبد الرحمن الكحلوت" إلى المحكمة الصهيونية، ووجهت له العديد من التهم والتي كان أبرزها :
- الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي.
- الانتماء لسرايا القدس.
- التخطيط لعمل استشهادي.
وأمام كل هذه الاتهامات ، حكمت المحكمة الصهيونية –الظالمة- على أسيرنا البطل حسن بالسجن مدة (7) أعوام.
مراسل "الإعلام الحربي" في لواء شمال قطاع غزة، زار منزل الأسير المجاهد "حسن الكحلوت" وأجرى حواراً مفتوحاً معه، تناول الحديث عن رحلة الاعتقال ومعاناة الأسرى داخل السجون الصهيونية ورسائلهم لأبناء شعبنا المرابط ولمقاومته.
أخ "حسن" خلال سجنك بالتأكيد تعرفت على شخصيات ورموز بالسجون من أسرانا ذوي المؤبدات وذوي الأحكام الأخرى .. فمن هو الأسير الذي ترك فيك أثراً وكانت له بصمة كبيرة في حياتك ؟
أسرى كثيرون، لا أريد أن أدخل بذكر الأسماء، لكن باختصار هناك أسماء كثيرة وبالمناسبة منهم من رحلوا ولكن لا زالت أسمائهم راسخة في ذاكرتي ، وكلماتهم عالقة في ذهني ، وهي تدفعني للعمل وتعزز انتمائي لقضية الأسرى فعلى سبيل المثال لا الحصر : كنت قد إلتقيت بالأسير "محمد أبو جلاله" والمحكوم 4 مؤبدات وكنت اسميه أديب السجون وأديب" الجهاد الإسلامي" فقد قال لي آنذاك " قريباً ستزول القضبان وستُهدم السجون وسنتحرر " .
بعض الأسرى يتلقون خبر مفرح أو مفجع.. كيف كان يتعامل الأسرى مع مثل هذه الأخبار وما هو شعورهم عندما يرون أن الحياة تسير خارج القضبان وهم مقيدين داخله لا يقدرون حتى على الفرح أو الحزن ؟
هذه مشاعر وأحداث مؤلمة وقاسية في مسيرة الاعتقال ، إن كانت مفرحة أو محزنة، أسرى فقدوا أمهاتهم وآبائهم وللأبد دون أن يسمح لهم بالمشاركة في تشييع جثامينهم أو وداعهم الأخير وبعضهم فقد أحبة له .
وبعضهم ترك كريمته في رحم أمها فولدت وكبرت وتزوجت وانتقلت لبيت زوجها دون أن يشاركها ولو بكلمة واحدة، وبعضهم ترك أبنائه صغاراً بعمر الزهور فكبروا وتخرجوا من الجامعات دون أن يسمح له بمخاطبتهم مهنئاً بتخرجهم ، وفي أحسن الأحوال يُسمح له بمراسلتهم ، والتعبير عن فرحته ببعض الكلمات البسيطة على ورقة صغيرة تصلهم بعد شهور أو ربما لا تصل .
لكن بكل الأحوال الأسرى مجتمع صغير ولكنه متكامل ، بمعنى لا تمر المناسبات الخاصة ( المفرحة والمحزنة ) مرور الكرام ، فالكل يشارك الأسير المعني فرحته أو حزنه .
نعم انه شعور مؤلم للأسرى لاسيما القدامى ولنا كمتابعين لقضاياهم، وهم نسجوا قصصا وحكايات تصلح أن تكون سيناريوهات لمسلسلات وأفلام .
حدثنا عن مرحلة ما بعد الأسر قد يمكث الأسير تحت التحقيق فترة طويلة.. ما هي أساليب التحقيق والتعذيب في التحقيق التي يتبعها السجان ؟ وما هو أقساها ؟
التعذيب في سجون الاحتلال الصهيوني لم يتوقف يوماً، ولا يستهدف انتزاع المعلومات فحسب كما يدعون ، بل يهدف إلى قتل الأسير معنويا ونفسيا وجسدياً إن أمكن ، أو توريثه بعض الأمراض لتصاحبه إلى ما بعد التحرر ، والتعذيب يمارس بشكل ثابت في إطار سياسة ممنهجة ومن يعتقد غير ذلك فهو مخطئ .
وممارسي التعذيب ليسوا هم المحققين فحسب، بل كل من يعمل في المؤسسة الأمنية يمارس التعذيب بطريقته الخاصة ، بدءا من الجندي الذي يشارك بالاعتقال ومرورا بالمحقق والسجان وليس انتهاءً بالطبيب والممرض .
وأشكال التعذيب عديدة منها النفسية ومنها الجسدية وجميعها قاسية ، ولكن لربما الشبح مع الحرمان من النوم والضغط على الخصيتين وقصعة الموزه والخنق بالماء هي الأقسى جسديا ، والعزل الإنفرادي والتجاهل والوضع في الثلاجة لفترات طويلة ، والوضع مع العملاء والتشكيك بوطنيتك هي الأسوأ نفسياً .
ومن احدي المواقف التي تدل علي التفنن في تعذيب الأسري هنالك مقوله لرئيس لجنة العلوم في الكنيست الصهيوني "الأسري الفلسطينيون حقل تجربه للأدوية الصهيونية" هذا كله يدل علي شكل العنف الذي يمارس علي الأسري في السجون الصهيونية.
كيف يتعامل الأسرى من مختلف الفصائل داخل السجون مع بعضهم البعض، هل هناك تفاهم أم اختلاف لاسيما بعد الأحداث المؤسفة الذي شهدها قطاع غزه؟
بالرغم من مرارة السجن وقسوة ظروفه وقسوة سجانيه؛ فإنّ حياة الأسر، وبكل صدق؛ هي حياة نادرة، أقرب للنموذجية فيما يتعلق بالعلاقات الداخلية والتوحّد تجاه إدارة السجن.
بمعنى أنه رغم الاختلافات السياسية والتنظيمية والفكرية استطاع الأسرى أن ينسجوا فيما بينهم شبكة من العلاقات الوطنية، وأن يجسِّدوا أروع صور التلاحم والوحدة الوطنية والمساواة والتعاون والتكافل الأُسَري، مجتمع لا زلنا نحلم بتشييده وأن يكون قائماً خارج السجن.
مجتمع له لغته المميزة، وتعبيراته الخاصّة، ومفرداته الحصرية، وأنظمة حياتية متميِّزة، وزيارات اجتماعية داخلية، وبرامج ثقافية ثابتة متعدِّدة الأشكال، وعادات أكثر من رائعة، وبرامج إدارية داخلية يحتكم إليها الجميع داخل السجن.
حدثنا بشكل موجز عن الظروف التي عشتها أنت وبقية الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني؟
باختصار شديد؛ فإنّ إدارة السجون الصهيونية لم تكتفِ باعتقالنا وتقييد حركتنا؛ بل تسعى جاهدة إلى استهداف كل جزئيات حياتنا الاعتقالية، بل والخاصة المحيطة بكل أسير داخل السجن.
فهي تسعى جاهدة لتحديد ساعة النوم وفترتها، كمية الهواء وساعات التعرض للشمس، نوعية الغذاء وما يحتويه من قيمة غذائية وكمية السعرات الحرارية فيه. كما تسعى إلى تحديد الغذاء الروحي بشكل جماعي وفردي، وماذا تقرأ ومتى؟
وتحدِّد لكل أسير كم يمكن أن تكون دائرته الاجتماعية اليومية، وتحدِّد زمن الزيارات الداخلية وطبيعتها، وظروف زيارة الأهل وشكلها ومن يُسمح برؤيتهم. تحدد طبيعة العلاج وتوقيته، ولون الملبس ونوعيته و... إلخ.
ظروف مأساوية ولا إنسانية، ومعاملة قاسية، ومع ذلك تتأقلم وتتكيف مع الأوضاع ومع ذلك؛ فإنّ السجن عالم آخر، والحياة تسير فيه وكأنها طبيعية، أو بمعنى أدقّ تتكيّف معها، أو يجب أن تتكيّف معها، لتغدو بالفعل حياتك الطبيعية وهذا التكيف السريع ـ وليس الاستسلام للواقع ـ، هو ما يمنح الأسير قوّة الصمود والإرادة. حيث يهيِّئ نفسه وفقاً للظروف الجديدة والحياة الاعتقالية، ويبدأ تدريجياً بالاندماج مع الكلّ ليشارك إخوانه في النضال ضد الإدارة، للذود عن الكرامة ولانتزاع الحقوق الأساسية، ولتحسين شروط الحياة الاعتقالية؛ بمعنى التكيّف مع الواقع، والتفكير الجدي في النضال من أجل تغييره.
نأتِ للحظة الإفراج من خلال تجربتك.. ما هو شعور الأسير لحظة سماعه قرار الإفراج عنه ؟ وما هي توصياته لإخوانه الأسرى لحظة توديعهم وقبل أن يغادرهم ؟
لحظات سعيدة جداً .. يحلم بها ويأمل بحدوثها منذ اللحظة الأولى لاعتقاله، يودعهم ويتمنى لهم الحرية وفي أحياناً كثيرة يذرف الدموع لأنه سيفارق أحبة لربما لن يلتقي بهم لسنوات قادمة وهذا ما يحصل ، ووصيته الوحيدة الوحدة والتكاتف والصبر والتمسك بنهج المقاومة ومواصلتها.
عندما يبدأ الأسير التجهيز للخروج من السجن .. ما هي الأساليب التي يتبعها الاحتلال معه ؟
هي إجراءات إدارية ولكن أحيانا تماطل في الإجراءات وتتلاعب بمشاعره لتؤثر على نفسيته وتحاول تعذيبه نفسياً حتى في اللحظات الأخيرة ، وأحياناً تعيده للسجن أو للاعتقال الإداري أو حتى تخرجه من السجن ومن ثم تعيده رهن الاعتقال الإداري أو وفقا لقانون " مقاتل غير شرعي " .
وليس هنالك من توقيع على معاهدات أو وثائق تعهد ، هذا فقط حصل عقب أوسلو وخلل الإفراجات السياسية ، مما أحدث جدلاً في أوساط الأسرى والفصائل، البعض وقع والبعض فضل السجن على التوقيع ، ولكن بالعادة ، لم يُطلب من الأسرى ذلك .
ما هو أول مكان توجهت إليه بعد خروجك من السجن ؟
جزء من أهلي وأحبتي كانوا بانتظاري على معبر الدخول لقطاع غزة ، فتوجهت معهم إلى حيث والدتي وشقيقاتي وباقي أحبتي وأصدقائي الذين كانوا في انتظاري في البيت .. ولا شك كانت لحظات سعيدة وانتابني شعور لا يوصف حقيقة .
ما هو شعورك وأنت حر بعد تجربة مرة بالتأكيد قضيتها خلف القضبان ؟
السجن مر وقاسي .. ولا أتمنى لأي إنسان أن يمر بهذه التجربة ، واليوم ينتابني شعور مختلط ومتناقض أحياناً ، فتارة أشعر بالمتعة والسعادة بين أهلي وأحبتي وتمتعي بالحرية ( النسبية ) ، وفي الوقت ذاته أشعر بالألم والمرارة لبقاء الآلاف في السجون ، لا سيما القدامى ممن مضى على اعتقالهم عشرات السنين.
اشعر وبصدق بأن لا معنى لأية مفاوضات ناجحة يبقى أن تبقيهم في السجن ، وما بين عجز المفاوضات والاتفاقيات الفاشلة وأخطائها، بقىّ المئات من الأسرى في السجون لعقود طويلة ، دون رؤية واضحة أو أفق محدد . إلا أن الأمل يبقى في يد المقاومة لأنها الأجدر على تحرير الأسرى من سجون الظلم كما أثبتت التجارب السابقة بذلك.
فعن أي حرية شخصية نتحدث عنها ، نحن لسنا أحرار والوطن مسلوب وفلسطين مغتصبة وغزة محاصرة والاحتلال جاثم على صدورنا ، و" الانقسام " قسّم الوطن ومزّق النسيج الاجتماعي وفتت وحدتنا .. والأدهى أسرانا يُعدمون وببطء شديد داخل سجون الاحتلال .
ما هي رسالتك لمن يتولى الآن أمر المفاوضات على صفقة الأسرى مع العدو الصهيوني ( جلعاد شاليط)؟
تطرقت في الإجابة على السؤال السابق لذلك وأضف لذلك بالقول لهم : أننا نحبكم ، نحترمكم ، نشد على أياديكم ونقدرجهادكم، ونثمن استمرار نجاحكم في احتجاز " شاليط " بعيداً عن الأعين الصهيونية الغادرة، ولكننا نناشدكم بالتمسك بمطالبكم والإصرار على إطلاق سراح الأسرى القدامى جميعا ، بالإضافة إلى شمولها لرموز المقاومة ، هؤلاء الذين لا فرصة أمامهم بالحرية إلا في إطار الصفقة، وشعبكم ينتظر صفقة مشرفة.
ولسان حال أسراكم يقول : مهلاً على الصفقة ولا تتعجلوا إذا كان في ذلك مصلحة لهم وسيقود إلى حريتهم .
أخيرا .. ماهي رسالة الأسرى إلى الشعب الفلسطيني المجاهد؟
"الأسرى" أمانة في أعناقكم ، في أعناقنا جميعاً، الأسرى بحاجة لدعواتكم ودعمكم ومساندتكم، ولا خير في أمة لا تسعى لتحرير أسراها، وعلى الإخوة الفلسطينيين المتخاصمين إنهاء "الانقسام " وفاءا لدماء الشهداء ومعاناة الأسرى، ووفاءاً للأهداف التي ناضلوا واستشهدوا واعتقلوا من أجلها ، والتوحد الفوري من أجل فلسطين وتحريرها وحرية مقدساتها وأسراها.
وتذكروا دائماً ومع كل صلاة بأن هناك الآلاف من إخوانكم يقبعون في سجون الاحتلال الصهيوني في ظروف احتجاز لا تليق بالبشر، تذكروا أن العشرات منهم مضى على اعتقالهم أكثر من عشرين عاماً، وبعضهم معتقلين منذ أكثر من ربع قرن وهؤلاء نطلق عليهم مصطلح " جنرالات الصبر " فهم الأكثر صبراً وتحملاً للمعاناة ولبطش السجان ، بل وبعضهم منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
كما أقوم بتوجيه رسالة إلى كل مقاوم " الإستشهاد الإستشهاد ولا ظلم السجن"، وكما أوجه رسالة لحركة الجهاد الإسلامي أقول فيها " ما قاله الدكتور الشقاقي قبل سنين " أنني أري بعقلي وبروحي ووطني قد تحرر ففلسطين ستعود الينا وسنعود إليها إن فلسطين غالية وإننا وطن مقدس وأنني أراه عائداً الينا وعائدون إليه مهما طال السفر والغربة ".

