بقلم/عوني محمد العلوي
منذ قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين عام 1948م لم ينفك هذا الكيان على جعل مدينة القدس العربية الإسلامية يهودية ويوهموا العالم بأن حقهم التاريخي والديني في المدينة من حقهم،فقد قامت الحركة الصهيونية بتأسيس حركات للدفاع عن القدس وأنها من حق اليهود، وإنها مدينة يهودية خالصة،وهذه هي بعض المنظمات والحركات الصهيونية التي تعنى بمدينة القدس،وزرع ثقافة بين أجيال اليهود بأن القدس يهودية خالصة ليس من حق أي إنسان على وجه الكرة الأرضية أن يطالب بها،فهي فقط لليهود ومن حقهم أن يقيموا عليها هيكلهم دون اعتراض أو تنديد من أي طرف في العالم.
- حركة حي فاكيام (الحي القيوم)
تأسست في وقت متأخر. ووفقا لبعض المصادر فإن اتفاق المبادئ, الذي وقعت عليه الدولة العبرية ومنظمة التحرير الفلسطينية, هو الذي أدى إلى تسريع الكشف عن وجود هذه الحركة, التي تشكل نواة عقائدية صلبة, ويعيش معظم أعضائها البالغ عددهم مئات, في مستوطنات "غوش عتسيون", وهم في الغالب ضباط من وحدات مختارة، ومن زعمائها مردخاي كربال ويهودا عتسيون, الذي كان عضوا في التنظيم السري اليهودي, وهو الذي وضع خطة لتفجير المسجد الأقصى أوائل الثمانينيات، وقد خططت هذه الحركة عدة مرات لنسف المسجد الأقصى, واعتقل أفواج من أعضائها أكثر من مرة.
ويعد المنظر الصهيوني "شبتاي بن دوف", الذي كان من أعضاء التنظيم السري اليهودي أيضا, مرشدا للحركة, ومبادئها المستندة إلى أن الظهور المستقبلي لثقافة كيان الاحتلال, التي تستند إلى 4000 عام من التاريخ اليهودي, يتجلى في النظام والمؤسسات الجديدة, وبيت مقدس ثالث, ووثيقة استقلال جديدة، وأن الشيء الهام في نظر زعماء هذه الحركة هو "أبدية "إسرائيل".
- حركة هتحيا (النهضة)
وهي حركة سياسية يمينية, تظهر توجهات غير دينية, وتعد من أكثر الحركات الإرهابية تطرفا وعنصرية في الدولة العبرية، ويعود ظهورها إلى تموز (يوليو) عام 1979, إذ انشقت عن حركة "حيروت", احتجاجا على اتفاقات كامب ديفيد, وانضم إليها قسم من جماعة "غوش ايمونيم" و"حركة المخلصين لأرض "إسرائيل" الكاملة". وهذه الحركة معنية بالسيطرة على منطقة المسجد الأقصى, لأن ذلك يحقق لكيان الاحتلال السيادة والقوة.
وفي تحالفها مع حركة "تسومت", فازت "هتحيا" في البرلمان الصهيوني العاشر بثلاثة مقاعد, وفي البرلمان الحادي عشر والثاني عشر حصلتا معا على خمسة مقاعد. ومن أهم مبادئ هذه الحركة إقامة المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية, وضرورة تخصيص إمكانات مالية كبيرة لهذا الغرض. ومن زعمائها يوفال نئمان وغيئولا كوهين وحنان بن بورات.
وعلى الرغم من تظاهر حركة "هتحيا" بالعلمانية, إلا أنها دعت إلى ضم الجولان عام 1981, وبين زعيمها نئمان الفكر التوسعي لحركته, عندما أدلى بحديث لصحيفة "معاريف" الصهيونية قال فيه سأعترف للجميع دون خجل: "أنني أنظر إلى لبنان على أنها أرض "إسرائيل" .. أرض الميعاد".
- جماعة أمناء الهيكل
وهي جماعة دينية متطرفة, أنشأت لنفسها عام 1983 صندوق جمعية "جبل البيت", أو "جبل
الهيكل". وتسعى هذه الجماعة إلى تهويد منطقة المسجد الأقصى, ولها فرع في الولايات المتحدة الأمريكية, يمدها من خلاله ماديا, مسيحيون متطرفون من كاليفورنيا, لكن مركزها الرئيس في القدس المحتلة. وتضع هذه الجمعية نصب عينها هدفا أساسيا هو إعادة بناء الهيكل الثالث المزعوم في نطاق "جبل البيت".
وتقوم هذه الجماعة بإقامة الصلاة اليهودية في الساحة المحيطة لحائط البراق (المبكى). ومن أبرز رموزها ستانلي جولدفوت, وهو أصلا من جنوب إفريقيا, وكان يعمل رجل مخابرات لصالح مجموعة شتيرن الإرهابية, التي اغتالت وسيط الأمم المتحدة الكونت برنادوت عام 1948.
- حركة كاخ (عصبة الدفاع اليهودية)
ومعناها "بالبندقية"، وهي حركة يمينية متطرفة أسسها عام 1972 الحاخام اليهودي الأمريكي مائير كاهانا, الذي ولد وقتل في نيويورك, والذي مثل حركته في البرلمان الصهيوني الحادي عشر عام 1984. ويعرف كاهانا بآرائه التلمودية الداعية لطرد العرب الفلسطينيين من كل فلسطين بالقوة, لتبقى خالصة لليهود. وهو يرى أن العرب عامة والفلسطينيين خاصة مجموعة قومية متعصبة منحطة في نظر الدين (اليهودي), وكان يمارس العنف بشتى الوسائل ضد الفلسطينيين في الأرض المحتلة، ويرى أنه من الواجب اضطهادهم وطردهم.
ومن أتباعه جودمان, الذي قام بالهجوم على الأقصى يوم 11 نيسان (أبريل) 1982 وهو ما أدى إلى استشهاد وجرح عدد من المسلمين. وقد قام كاهانا بدفع أتعاب المحاماة عنه حتى أطلق سراحه. ومعظم أتباعه من الطلاب الذين ركزوا نشاطهم في القدس, ودمجوا في عملهم أسلوب العمل العلني والسري.
ويتربع في قمة الهرم في هذه الحركة هيئة سياسية, وفي قاعدته هيئة عسكرية, وهيئات مالية وتعليمية وأيديولوجية, وتتبع لها لجنة الأمن على الطرقات, التي نشطت في فترة الانتفاضة الأولى. ومن نشاطات هذه الحركة التي استهدفت الأقصى قيام بعض أعضائها بعمليات إجرامية عدة, منها محاولة الاستيلاء على المسجد الأقصى, ومحاولة تفجير قبة الصخرة, وإطلاق النار الطائش قربها.
- حركة كهانا حي
وهي حركة إرهابية يمينية متطرفة لا تختلف عن حركة كاخ, من حيث الأيديولوجية, إنما توجد خلافات شخصية بين قادة الحركتين. ويقيم معظم أفرادها في مستوطنة "كفار تبوح" شمال الضفة الغربية, مع زعيمهم بنيامين, نجل الحاخام مائير كاهانا, الذي يرى نفسه على طريقة أبيه, ويملك مع مساعده سجلات عدة لأهداف محتملة ضد العرب, ومخططات لهجمات وأعمال تخريب ضدهم وضد ممتلكاتهم. وينظم النشاطات الخارجية لهذه الحركة يوكتمئيل يعقوب, ذو السجل الإجرامي الدموي.
ويرى المنتسبون لهذه الحركة ومعظمهم من يهود الولايات المتحدة الأمريكية أن "الشعب اليهودي" مقدس, وأن أرض (إسرائيل) مقدسة, لأنها تحمي الشعب من الناحية التربوية والدينية والطبيعية. ويتدرب أفراد هذه المجموعة البالغ تعدادها نحو 200 عضو, منهم 30 شابة, على القتال الفردي والقتال القريب والأسلحة الخفيفة في معسكر تدريب خاص بالحركة في الولايات المتحدة الأمريكية.
يذكر أن السلطات الصهيونية أصدرت قرارات عدت فيها حركتي كاخ وكهانا حي منظمتين خارجتين عن القانون, وذلك لمنعهما من إتباع وسائل عنيفة ضد الفلسطينيين. وهذه القرارات سياسية تأتي لتهدئة الرأي العام في العالم, ولترفع في الوقت ذاته السلطات مسؤولياتها عن الأعمال الإرهابية, التي تقوم بها تلك المنظمات.
- مجموعة حشمونائيم
وهي إحدى المجموعات الإرهابية الفاشية, التي تتأثر بحركة كاخ, وتأسست في وقت متأخر، ويتزعمها الإرهابي يوئيل لرنر. وقد عرف أعضاؤها باللجوء إلى العنف الشديد, وبالخبرة العسكرية العالية، ويرجع ذلك إلى أنهم بعد أن فرغوا من الخدمة العسكرية اتجهوا إلى هدف السيطرة على بيت المقدس بالقوة, متمردين على سياسة الخطوة خطوة, المتبعة من الحكومة, ومطالبين بطرد السكان العرب من القدس كلها. ويعد الحاخام أفيغدور نفتسال رئيس رابطة التاج القديم, الأب الروحي لهذه المجموعة.
يذكر أن هذه المجموعة قامت بمحاولة تفجير قبة الصخرة في تموز (يوليو) من عام 1982, غير أن المحاولة فشلت, عندما تم اكتشاف الشحنات الناسفة قبل انفجارها.
- منظمة بيتار (منظمة الشباب التصحيحيين)
وهي منظمة صهيونية تأسست عام 1923, ولها فروع في عدد من الدول، إضافة إلى وجودها في الدولة العبرية, وهي تهتم بإقامة الصلوات اليهودية في ساحة الأقصى. ومن قادتها المحاميان رابينوفت وجرشون سلمون, الذي يترأس أيضا مجموعة آل هار هاشم.
- حركة (تسوميت) أي مفترق الطرق
وهي حركة قومية متطرفة, أنشأها رئيس الأركان السابق رفائيل إيتان, وذلك في تشرين أول (أكتوبر) عام 1983. ومعروف أن إيتان من أشد اليهود تطرفا في استعمال العنف ضد العرب حين كان رئيسا للأركان. وتسعى الحركة إلى التركيز على الصهيونية مذهبا, لأنها هي الحركة المعنية بإعادة المجد إلى أرض صهيون. وتصر الحركة على بقاء القدس الموحدة عاصمة لدولة الكيان تحت سيادتها, وترفض الانسحاب من الضفة, وتدعو إلى تكثيف الاستيطان فيها.
وكانت "تسوميت" حصلت على 8 مقاعد في البرلمان الصهيوني الثاني عشر عام 1988, بعد أن كانت قد حصلت بتحالفها مع "هتحيا" في البرلمان الحادي عشر على 5 مقاعد.. وفي عام 1988 انشق عنها حزب "يعود", الذي انضم إلى حكومة العمل, ولكنه يتبنى أفكار "تسوميت" ذاتها.
- منظمة سيوري تسيون
وهي رابطة تطوعية, تعمل بإشراف المدرسة الدينية "غليتستا"، وتظهر في شكل جمعية خيرية, وتتلقى دعما من وزارة المعارف الصهيونية وبلدية القدس والجيش الصهيوني. وتهدف إلى تعميق الوعي إزاء الهيكل المزعوم والقدس لدى اليهود عامة والجيش خاصة، وتقوم بتنظيم رحلات دورية إلى الأماكن الدينية اليهودية في القدس. وهناك مدرسة تساندها, وتهيئ اليد العاملة للمؤامرة ضد بيت المقدس, هي المدرسة الدينية "عطيرت كوهانيم" الموجودة في الحي الإسلامي من القدس العربية.
وهناك مجموعة أخرى من المنظمات الإرهابية المتزمتة تحمل الأهداف ذاتها, لكنها أقل شهرة من المنظمات والجماعات التي تم ذكرها آنفا, وتسعى إلى تحقيق تلك الأهداف, من خلال أفراد احترفوا القتال في جيش الاحتلال ، ومنها:
- مؤسسة هيكل القدس
مؤسسها اليهودي ستانلي جولدفوت, الذي انشق عن جماعة "أمناء الهيكل", وتضم في هيئتها الإدارية خمسة من النصارى الإنجيليين, منهم الفيزيائي الأمريكي لاجرت دولفين, الذي حاول مع جولد فوت التحليق فوق المسجد الأقصى وقبة الصخرة لتصويرها باشعة "اكس" بواسطة جهاز الاستقطاب المغناطيسي, الذي ابتكره دولفين لتصوير باطن الأرض, ليثبت للعالم أن الأقصى مقام في موضع الهيكل.
- منظمة يشفيات اتريت كوهانين
وتعني التاج الكهنوتي, وتعود جذورها إلى الحاخام أبراهام يتسحاق كول. ويؤمن إتباعها بأنهم طلائع الحركة, التي ستبدأ المسيرة في الهيكل. وكانوا حتى عهد قريب يمتنعون عن الذهاب إلى ما يسمونه "جبل الهيكل", حتى تصدر فتوى لليهود بالصلاة عنده. وقد صدرت تلك الفتوى عام 1985. وهذه المنظمة لديها خطط هندسية جديدة لإنشاء الهيكل المزعوم، وهي تعقد ندوات دورية عن الهيكل وسبل العمل لإعادة بنائه.
- حركة إعادة التاج لما كان عليه
ويتزعمها يسرائيل فويختونفر, الذي يحرك مجموعة عنيفة من الشباب المتعصبين, الذين يسيطرون ويعملون للاستيلاء على بيوت ومبان عدة في القدس, بدعوى أنها كانت يوما ملكا لليهود. وبعد أن يستولوا عليها يقومون بترتيب الجوانب القانونية لتمليكها لليهود. ويهدفون من وراء ذلك إلى الاستيلاء على أراضي الحي الإسلامي في القدس, بمحاذاة المسجد الأقصى, لصالح الحركات اليهودية.
- مجموعة آل هار هاشم
ومعناها إلى جبل الله, وهي مجموعة تعمل من أجل ثبات الهيكل, ويترأسها المحامي جرشون سلمون. وقد حاولت مجموعة منها إقامة صلاة يهودية في المسجد الأقصى في 14 آب (أغسطس) 1987. وهناك حركة "الموالون لساحة المعبد", التي تهدف إلى الاستيلاء على أرض قبة الصخرة والأقصى وما جاورهما, ويقودها سلمون نفسه.
- حركة الاستيلاء على الأقصى
وأعضاؤها يدعون علانية إلى هدم المسجد الأقصى, إضافة إلى طرد جميع السكان المسلمين من "أرض إسرائيل". ومن أهداف هذه الحركة أيضا تهويد مدينة الخليل, والاستيلاء على المسجد الإبراهيمي, الذي أطلقوا عليه اسم "كنيس ماكفير". ومن أبرز رموزها يسرائيل آرائيل, والحاخام كورن, الذي يعد المرشد الروحي لعدد من الشبان اليهود, الذين قاموا بالاعتداء على المسجد الأقصى عام 1968.
- حركة أمنا
أي الأمانة أو الميثاق, وهي تنظيم استيطاني تضم زعامته عددا من الشباب المتدينين اليهود, من ذوي القبعات المنسوجة, ومن خريجي المدارس الدينية، وهم يسعون إلى بث مفاهيم اجتماعية بين اليهود, تعتمد على الإيمان الديني بقرب الخلاص بظهور المسيح, وتدعو إلى التمرد على المؤسسات القائمة, إذا حدث أي تعارض مع ما تنادي به التوراة. وهي تتحرك عمليا لمنع الانسحاب من المناطق المحتلة عام 1967, بالاستيلاء على عشرات المستوطنات، وجعلها يهودية تحت الأمر الواقع.
- عصابة لفتا (قبيلة يهوذا)
وهي مجموعة ذات نفوذ قوي, وعندها إمكانيات عسكرية كبيرة. وقد حاول أفرادها مرات عدة أن ينسفوا المسجد الأقصى وقبة الصخرة, عن طريق وضع متفجرات فيها, لكن محاولاتهم باءت بالفشل.
- تنظيم سري داخل الجيش
اكتشف هذا التنظيم عام 1984 في أثناء الإعداد لمحاولة قصف المسجد الأقصى من الجو, بواسطة سلاح الجو الصهيوني, لإزالته تماما من الوجود. ومعظم أعضاء هذا التنظيم ليسوا من الجماعات الدينية المتدينة المعروفة.
وهناك عدد كبير من الحركات الإرهابية السرية محدودة العضوية, وذات أهداف متماثلة منها حركة "حيرب ديفيد", أي سيف داود، وحركة "موكيد ياهف"، وحركة "تسفيا"، وحركة "سيف جدعون"، ومنظمة "دوف" أي "قمع الخونة" وحركة "غال"، ومنظمة ايال "التنظيم اليهودي المقاتل".
هذه التنظيمات ذات الطابع الإرهابي المتخفية تحت ستار الدين اليهودي إلا صورة مصغرة عن "دولة" امتهنت القتل والتدمير, ضاربة عرض الحائط أهمية الأماكن المقدسة بالنسبة للمسلمين والمسيحيين, أصحاب الأرض الأصليين".
- يمثل المتدينون في الكيان الصهيوني حوالي 20% من السكان اليهود، والإنسان المتدين هو الذي يحافظ على الشريعة اليهودية ويؤمن بأن الله هو الذي يأمر الناس بالحفاظ على شرائعه المقدسة.
- وتنقسم التيارات الدينية في الكيان الصهيوني إلى متدينين قوميين (صهيونيين) وحريديم.
- وهذه التيارات منفصلة ومتميزة داخل المجتمع الصهيوني، ويتأكد هذا عن طريق التمسك برموز دينية معينة من أبرزها ارتداء ملابس خاصة بالمتدين كتلك التي يرتديها الحريديم وتتسم بالبالطو الأسود الطويل والذي يجب ارتداؤه صيفا وشتاء والقبعة السوداء (اليارمولكا) وإطلاق السوالف على جانبي الوجه أو الالتزام بارتداء ملابس تعكس روح المحافظة وعدم الانسياق وراء الموضة خاصة عند النساء وما يتطلبه ذلك من عدم الكشف عن أجسادهن. وبالنسبة لليهود القوميين فإن الرجال منهم قد يرتدون ملابس لا تختلف عن التي يرتديها العلمانيون إلا أنهم يحرصون على وضع (طاقية) صغيرة على رؤوسهم.
1- التيار الديني القومي (الصهيوني) في الكيان:
ويمثل هذا التيار الآن حزب المفدال (الحزب الديني القومي)، ولقد تبلور لدى هذا المعسكر رؤية مفادها أن الحركة الصهيونية وإرساء قواعد المجتمع اليهودي في فلسطين قبل الدولة يعكسان بالفعل تطورات ذات طابع ديني حتى لو وقف وراءها أناس علمانيون بعيدون عن الدين. فلقد نظرت الصهيونية إلى عمليات تهجير اليهود إلى فلسطين على أساس أنها استئناف للعمل الزراعي العبري وتجديد الاستقلال العبري وبداية الخلاص الفعلي وعودة الرب إلى التاريخ ليتدخل فيه بشكل فاعل. ومن هنا ينظر المتدينون القوميون إلى إقامة الدولة على أنه دليل من الناحية الدينية على أن الحركة الصهيونية حركة مشروعة وأنها استمرار حقيقي لليهودية المحافظة بصفة خاصة وللدين اليهودي بصفة عامة. ولهذا ينظر الصهيوني المتدين إلى كل ما يحدث في الدولة على أنه جزء لا يتجزأ من التاريخ الديني للشعب اليهودي. بعبارة أخرى ينظر التيار الديني القومي إلى الدولة العلمانية بأنها بداية الخلاص والتي حدد خلالها دورا واضحا لما يسمى "بالحمار العلماني" الذي عليه أن يقوم بالدور العملي لتجسيد الدولة ثم يرضخ بعد ذلك هو والدولة لسلطة المتدينين. وبعد اتساع حدود دولة الكيان الصهيوني في يونيو 1967 أصبح هذا دليلا في نظر المتدينين القوميين على أن اليهود باتوا يعيشون في عصر يُسمع فيه وقع خطوات المسيح المنتظر وأنهم يعيشون في أوج مراحل الخلاص، ومن ثمّ مجدوا العمل القومي خاصة في مجال دعم وتوسيع النشاط الاستيطاني وتحويله إلى قيمة دينية عليا.
- وتمشيا مع ذلك أخذوا ينظرون إلى الخدمة العسكرية على أنها مهمة جماعية تستهدف توجيه نشاط المشروع الصهيوني كله وفقا لمفاهيم وأفكار التيار الصهيوني المتدين، فبدأ الشباب المنتمي لهذا التيار في التوجه للانخراط في الجيش كضباط نظاميين من خلال الحفاظ على روابطهم مع معاهدهم الدينية شبه العسكرية (التي يدرس فيها الطلبة المناهج الدينية إلى جانب اجتيازهم تدريبات عسكرية تمنحهم الحق في الخدمة العسكرية في الجيش لفترات أقل من المجند العلماني) وهم يريدون تحقيق مكانة لهم داخل الجيش الصهيوني في صورة تزايد أعداد المتدينين الصهيونيين وخاصة خريجي المعاهد الدينية شبه العسكرية الذين يرغبون في الخدمة في وحدات مقاتلة متميزة مثل المظلات والسلاحين البحري والجوي.
- وبرغم قلة النسبة العددية للجناح الديني القومي داخل الكيان الصهيوني إلا أنه يدعي أنه الممثل الشرعي التاريخي لليهودية الحقيقية والوحيدة على حد زعم المتحدثين بلسانه، وأول مرة يشارك التيار الديني في الحكومة الصهيونية كان بتكتله مع الليكود عام 1977 .
2- التيار الديني الحريدي:
وهم مجموعة من اليهود الأرثوذكس الذين رفضوا صهيونية هرتسل واعتبروا إقامة الدولة اليهودية في فلسطين قبل ظهور المسيح المخلص بمثابة استعجال للنهاية ورفض لإرادة الرب.
- ويحرص الحريديم على العيش في جو العصور الوسطى ويتحدثون لغة اليديش (خليط من العبرية والألمانية)، وهم مقتنعون بأنهم يمتلكون الحقيقة لأنهم مطلعون على الكتب اليهودية المقدسة خاصة التلمود وأن طريقهم هو الصواب فقط.
- وهم يتعايشون مع الدولة على ضوء الفوائد المادية التي يحصلون عليها من ميزانية الدولة، وهناك جماعات حريدية متعاونة مع السلطة ومنخرطة في الشكل الحزبي مثل شاس وحركة يهودات هتوراه (يهودية التوراة)، وجماعات أخرى تعادي الدولة وترفض التعاون معها من أبرزها طائفة (هاعيدا هحراديت) وحركة (ناتورى كارتا) أو حراس المدينة.
أ- جماعات حريدية متعاونة مع السلطة:
1- حزب شاس هو ناتج عن انشقاق اليهود الشرقيين عن حزب "أغودات يسرائيل" احتجاجا على سيطرة اليهود الغربيين على الحزب وهيئاته.
2- حزب يهودات هتوراه (يهودية التوراة) وهو عبارة عن تآلف يضم "أغودات يسرائيل" و "ديجيل هتوراه".
- وكلا الحزبين يهدفان إلى ترسيخ دور الدين في المجتمع، بالعودة إلى الأصول التوراتية والقضاء على مظاهر الانحلال في المجتمع، أما الأمور السياسية فيتركانها حسب العرض والطلب ووفقا لما يراه الحاخامات للحفاظ على الأرواح اليهودية، ومن ناحية أخرى لو انهارت الدولة لن يصابوا بالحزن والأسف عليها لأنهم سيعتبرونها عقابا سماويا لاستعجال الخلاص.
ب- جماعات حريدية تعادي الدولة وترفض التعاون معها:
1- طائفة (هاعيدا هحراديت) وهم حوالي 20 ألف شخص يتمركزون في القدس وطبرية وصفد، وهم لا يشاركون في الانتخابات ويرفضون تلقي المساعدات من الحكومة الكافرة.
2- حركة (ناتورى كارتا) أو حراس المدينة وهي منشقة عن حزب "أغودات يسرائيل" عام 1935 عندما قام ممثلون عن الحزب بالتفاوض مع المجلس الملي اليهودي الخاضع للنفوذ الصهيوني لإقامة حاخامية رئيسية موحدة في فلسطين، فشكلت العناصر الحريدية الرافضة لأي تعاون مع الصهيونية حركة خاصة بها سميت ب"ناتورى كارتا".
- وتقوم هذه الحركة على فكرة معاداة الصهيونية ومقاطعة الدولة التي هي ثمرة الغطرسة الآثمة التي قامت على يد مجموعة كافرة تحدت مشيئة الله بإعلانها إقامة الدولة قبل موعدها، فهم يقاطعون الانتخابات ولا يقرأون الصحف ولا يستخدمون الكهرباء ويرفضون نظام التوقيت الصهيوني ويتبنون توقيت حريدي أخر.
- وعليه فإن التيار الحريدي يرى أنه ملزم بالحفاظ على سلوكيات وأعراف الطوائف اليهودية التي اختفت مع الحفاظ على تقاليد الماضي بشئ من التعصب.

