عميد أسرى القدس.. عزيمة لا تلين وأحلام تبددها عتمة الزنازين

السبت 29 يناير 2011

الإعلام الحربي – غزة:

 

"أنا لست بحاجة لطعام أو شراب، ولست بحاجة لثياب، ولست بحاجة إلى من يعرف أني معتقل منذ ما يزيد عن ربع قرن، ولست بحاجة إلى من يحزن، ثم يرسل لي نظرات عطف وشفقه، لا أريد من يتأفف ويقطب جبينه عندما يسمع مأساتي. أريد فقط أن أنزل عن صليب السجن الذي دقت عظامي عليه منذ 30 عاما، أريد أن يؤدى الواجب تجاهي كما أديت واجبي تجاه قضيتي وديني".

 

هذا لسان حال الأسرى في سجون الاحتلال ولسان أحد الليوث الرابضة في عرينها منذ ما يقارب ثلاثين عاما تتعاقب عليهم أجيال المجاهدين وما زالوا قابعين خلف القضبان، إنه المجاهد المقدسي فؤاد قاسم الرازم (أبو القاسم) عميد الأسرى المقدسيين وأقدمهم، وعميد أسرى حركة الجهاد الإسلامي؛ الذي صدئت أبواب وقضبان السجن ولم يصدأ صبره وصموده وعطاؤه ليبقى عنوانا للإرادة القوية والشموخ الذي لن ينكسر وتاجا على رؤوس كل الأمة.

 

حلم الحرية

وبصوت أضعفه الزمان وأنهكته الآلام والأحزان يقول والد الأسير فؤاد (86 عاما) في حديث له:"أتمنى أن يفرج عن ابني فؤاد ويعيش معنا ويتزوج وأرى منه ولو طفلا قبل أن أموت"، مناشدا حكومتي الضفة وغزة والجهات المعنية بالنظر إلى قضية الأسرى والعمل الجاد للإفراج عنهم.

 

والد الأسير الرازم الذي أنهك شبابه وخر المرض قواه لم يعد قادرا على زيارة فلذة كبده فؤاد منذ أربع سنوات، فلم يره إلا صورة ولا يسمع صوته الدافئ بعدما أثقل سمعه الزمان. يقف والد فؤاد ينظر إلى صورته بين يديه قائلا:"الله يرضى عنك يا بني... ما زلت انتظر عودتك إلى البيت لأغمرك بين أحضاني، كما تنتظرك غرفتك التي أعددتها للزواج قبل اعتقالك".

 

وبدموع بين شهقات تخرج بألم تقول شقيقة فؤاد (أم نضال):"نعم، إن غرفة نوم فؤاد التي أعدها للزواج ما زالت تنتظره، فكل شيء كما هو، اللحاف والوسائد والشراشف والحرامات وجهاز عروسته"، مشيرة إلى أن فؤاد يحلم بأن يرمق غرفة نومه التي أعدها بعد أداء فريضة الحج، إلا أن إدارة سجون الاحتلال ترفض السماح له برؤيتها عبر الصورة ليبقى فؤاد يعيش ذات الحسرة والألم.

 

حرمان الأبوة

حرمان فؤاد من الزواج بعد 54 عاما، جعل عاطفة الأبوة الكامنة تظهر في سلوكه تجاه صغار المعتقلين للحظات؛ ينادي على بعضهم "يا بني" لتخرج هذه الكلمة حاملة كل معاني الأبوة في الكون ثم يكتم "آه" لا يعرفها إلا من يعانيها، متخيلا طفله وهو يربيه على مكارم الأخلاق وحفظ القرآن الكريم، ويكبر ويكبر أمامه ويفتخر به، شاخصا فيه صورته وهو فتى يافعا من العمر يبلغ العشرين متفوقا في جامعته مميزا في أخلاقه ممتلئا حيوية وشبابا. فمتى يرى فؤاد نور الحرية ويكحل عينيه بأهله وزوجة وطفل ويتحقق هذا الحلم ؟!!

 

أسرى منسيون

وفيما يتعلق بوضع فؤاد الاعتقالي، أوضحت (أم نضال) أنه بعدما قضى أول فترة اعتقال في العزل الانفرادي، أمضى باقي فترة اعتقاله في العزل الجماعي لا يختلط بالأقسام الأخرى حتى لا يثقف الحركة الأسيرة الشبابية ويؤثر عليهم.

 

وذكرت (أم نضال) أنها لم تزر شقيقها منذ شهر بسبب منع الاحتلال الصهيوني زيارة الأسرى عقابا لهم على إضرابهم الذي خاضوه قبل أيام، مشيرة إلى تذمره الشديد بسبب إهمال الجهات المعنية لقضيتهم وطيهم في صفحات النسيان، وجعلهم مجرد أرقام وإحصائيات وشعارات، حيث قال لها في آخر زيارة بألم:"الثورة أكلت أبنائها".

 

وأردفت القول:"إن أكثر شيء يؤلمنا أن فؤاد دخل السجن عندما كان يبلغ من العمر 23 عاما وهو في أوج حيويته وشبابه وعافيته، والآن الشيب يكسو شعر رأسه ولحيته، ناهيك عن جهله لجميع أفراد عائلته وجهلهم به بسبب منع الزيارات له"، مؤكدة في الوقت ذاته أن ذلك ضريبة الانتماء للوطن "ولكن يتوجب على السلطة والفصائل والأهالي ووسائل الإعلام ومؤسسات حقوق الإنسان كافة الاهتمام بقضية الأسرى وجعلهم على سلم أولوياتهم الفعلية والجدية". وطالبت شقيقة فؤاد الرازم بتدريس قضية الأسرى في المناهج الدراسية الفلسطينية.

 

وحول الوثائق السرية التي كشفتها قناة الجزيرة من تنازلات السلطة عن الثوابت الفلسطينية قالت شقيقة الأسير:"إن هذا الأمر لم يفاجئنا، وما خفي أعظم، ونتوقع أكثر من ذلك، لأننا نحن أهالي القدس نعايش ألاعيب السلطة"، مشيرة إلى أنها تركت الأسرى كنوع من العقاب وردع لكل شاب تحدثه نفسه بالجهاد ".