الاعتراف بالخطا فضيلة .. والرجوع عنه قوة.. بقلم/ خالد صادق

السبت 29 يناير 2011

في الوقت الذي تشهد فيه عدد من العواصم العربية مسيرات غضب تحمل في طياتها مطالب التغيير والإصلاح, تهب على السلطة الفلسطينية رياح عاتية تحمل اتهامات التخوين والتواطؤ والعمالة, فعاصفة "كشف المستور" والوثائق التي عرضتها قناة الجزيرة جاءت لتمثل صدمة جديدة للشعب الفلسطيني في فريق التفاوض الذي لا يكفّ عن توجيه الصدمات لأبناء شعبه.

 

لا نريد أن نستعرض ما عرضته الجزيرة على شاشتها من وثائق, فقد بانَ كل شيء للشعب الفلسطيني دون إخفاء للحقائق أو مواربة, وأصبح لزاما على السلطة أن تقنع الفلسطينيين طالما أنها مصرة على الاستمرار فيما تسمى بعملية السلام, بأن عليهم أن يتحملوا سنوات أخرى من التفاوض والتواطؤ, ولا أعتقد أن أحدا سيعطي فرصة جديدة للمفاوض الفلسطيني بعد أن انكشفت سوءته تماما لدى الشعب, وأصبح في موقف لا يحسد عليه.. ويتطلب منه خطوات سريعة وعملية وكبيرة كي يسترد ثقة الشعب الفلسطيني, ليست أقل من إعلان فشل المفاوضات مع الاحتلال والتخلص منها, ووقف كل صور التنسيق الأمني مع الاحتلال الصهيوني, ودعم خيار الشعب الفلسطيني.. ألا وهو خيار المقاومة والجهاد, بعد أن أثبتت سنوات التفاوض الطويلة والتي زادت عن سبعة عشر عاما أن هذه المفاوضات كانت ملهاة تتذرع بها "إسرائيل" أمام المجتمع الدولي لإقناعه بأنها تبحث عن السلام, وذلك لتمرير مخططاتها وأهدافها دون أن تتنازل قيد أنملة عن مشروعها التوراتي في فلسطين المغتصبة.

 

لماذا يكابر المفاوض الفلسطيني ويصر على المراوغة والتنصل من هذه الوثائق وما ورد فيها؟ لماذا يصر على تهوين الجريمة وإظهار حرصه وحسن نواياه أمام كل هذه التنازلات المجحفة بحق شعبه؟ لماذا يواصل الخداع ويدعي أنه لم يتنازل عن ثوابت الشعب الفلسطيني؟.. كنا نأمل أن يتعلم المفاوض من أخطائه ويعلن انحيازه مرة أخرى إلى خيار شعبه وطموحاته وأهدافه وبراءته من هذه المفاوضات المجحفة, فالاعتراف بالحق فضيلة, وهو أقصر الطرق لتصحيح الأخطاء, أما التسويف والمكابرة فقد يولد العناد والاستمرار في مسلسل التنازلات إلى ما لا نهاية.

 

أكثر من يمكن أن يحاسب هؤلاء المفاوضين المتخاذلين ويكبح جماحهم هم قادة فتح الشرفاء الأحرار، والذين لا يقبلون الضيم والهوان لشعبهم, والتنازل عن الثوابت الفلسطينية واستمرار التنسيق الأمني.. على قادة فتح الشرفاء أن يمسكوا بدفة القيادة لحركتهم, وأن يعودوا بها إلى أبناء شعبهم بعد أن سرقها هؤلاء المفاوضون وتلاعبوا بها كيفما شاءوا دون أن يحاسبهم أحد, على قادة فتح أن يستردوا سلاحهم المسلوب من رجالات السلطة, وينتصروا لزميلهم الشهيد حسن المدهون, ويلتحموا بفصائل المقاومة الفلسطينية من جديد قبل فوات الأوان, فالقادم صعب وهو يستهدف القضية الفلسطينية برمتها في محاولة للالتفاف عليها وتصفيتها, ويستهدف المجاهدين والمقاومين الأطهار للقضاء على المقاومة والجهاد, ويستهدف أيضا إرساء سياسة الأمر الواقع وقبول ما تطرحه "إسرائيل" دون مناقشة.. "إسرائيل" تريد أن تستفرد بالمقاومة وتقضي عليها وتعزل فتح عن شعبها وقضيتها, وهي التي تؤجج الانقسام وتدعي أن حماس تحاول السيطرة على الضفة كما فعلت بغزة, رغم أن هذا الأمر مستحيل لوجود الاحتلال في الضفة والذي لن يسمح بهذا أبدا, لكن "إسرائيل" تسعى من وراء ذلك لأن تسخر كل الأجهزة الأمنية -التابعة لسلطة رام الله- لملاحقة حماس والجهاد والمقاومة المسلحة في الضفة, ولا تلتفت للاستيطان الذي يستشري ويتمدد كل يوم في أرجاء الضفة المحتلة, فهلّا أدركنا ما يخطط له الاحتلال قبل أن تقع الكارثة, فالاحتلال يستعد لحرب جديدة قد تدور رحاها في غزة قريبا, ويستعد لتعزيز نفوذه في الشرق الأوسط والدول العربية خاصة, بعد أن تغلغل إلى العراق وجنوب السودان وتمركز هناك, وهو يستعد للانقضاض على لبنان والقضاء على المقاومة اللبنانية, ولا أعتقد أن احتلالا يسعى لهذا يمكن أن يمضي في عملية سلام, عليكم أن تدركوا جيدا أنه لا رهان على أمريكيا والمجتمع الدولي الذي عجز عن إقناع "إسرائيل" بتجميد الاستيطان في الضفة لثلاثة أشهر فقط من أجل استئناف ما تسمى بـ"عملية السلام", ليس لأن "إسرائيل" لا تريد تجميد الاستيطان فقط, بل لأن "إسرائيل" ليس لديها استعداد لتقديم أي شيء للمفاوض الفلسطيني؛ لذلك هي تتنصل مما تسمى بعملية السلام.

 

نأمل من المفاوض الفلسطيني أن يسعى ولو لمرة واحدة للتنصل من "استحقاقات السلام" أمام كل هذا التعنت الصهيوني, وبدلا من أن تظهر وثائق كشف المستور, تظهر وثائق أخرى تحمل مواقف مشرفة.. رغم قناعتي وقناعة شعبي أن مسيرة السلام هذه لا يمكن لها أن تكون مشرفة, فهي محرقة لمن يدخلها ونهايتها حتما ستكون وخيمة ستفضح سالكها و"تكشف المستور".