الإعلام الحربي – خاص:
ها هي سواعد المجاهدين ودمائهم المتناثرة تتجدد.. لتعانق أرواح القادة فتحي الشقاقي ولؤي السعدي ومحمد الشيخ خليل وبشير الدبش ومقلد حميد وشفيق عبد الغني ولطفي أبو سعدة.. هكذا هم الشهداء.. يتقدمون صفوف الحق والمقاومة.. ويرفعون رايات النصر الخفاقة.. ويتقدمون بجسدهم الطاهر نحو القدس.. نحو فلسطين.. كل فلسطين.
هم كذلك يمضون للعلياء.. حاملين راية التوحيد والاستشهاد كي تبقي العنوان لهم ولمن خلفهم ولمن سيجعل من منهج النبوة عنواناً له.. هم الشهداء وحدهم أصحاب تلك الراية والرسالة المحمدية.. أصحاب الشموخ والكبرياء في زمن غلبت فيه الكراسي والمصالح عن فخر وعزة أمتنا.. في زمن تناسي فيه الجميع القدس.. فيما بقي هم أصحاب تلك القضية وعنوانها الدائم.
إننا نتكلم اليوم وبكل الفخر والعزة عن شهيد مضى وهو يحمل هّم فلسطين على كتفّيه ويتقدم إلى هناك إلى العلياء.. حاملاً السلام من أرض الطهارة والأنبياء.. لحبيب المجاهدين الرسول الأعظم محمد "صلي الله عليه وسلم، نتكلم عن الشهيد نضال أبو سعدة ، أربعة وعشرون عاماً أفناها في سبيل الله، دون خنوع وخضوع أو استسلام بل كانت الشهادة هي عنوانه الأول والأخير وكله لله ولفلسطين.
إننا نتكلم اليوم عن قائد جيش الاستشهاديين وأرعب المحتلين في قلب فلسطين.. وهّزم جيوش الصهاينة في جنين، أنه الشهيد نضال أبو سعدة "26" عام من بلدة الصمود والعنفوان بلدة علار شمال طولكرم، وكان من أبرز قيادات سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، وكانت تربطه بالشهيد المجاهد "لؤي السعدي" علاقة أخوية قوية وكان من أبرز مساعديه والمسئول المباشر عن العمليات الاستشهادية التي نفذتها سرايا القدس في أراضينا المحتلة عام 1948م، والتي وقعت بعد استشهاد المجاهد لؤي السعدي الذي كان له الدور الكبير والفعّال في إعادة صفوف سرايا القدس بشمال الضفة الغربية وخصوصاً بعد الضربات التي تعرضت لها الحركة من قبل قوات الاحتلال الصهيوني عن طريق اغتيال قادتها العسكريين واعتقال القادة السياسيين وآخرين من القادة العسكريين في سجون الاحتلال الصهيوني.
الشهيد المجاهد احمد الطوباسي يبلغ من العمر 22 عاما وهو من مخيم جنين ويتهمه العدو بالوقوف وراء عدد من العمليات ضد الكيان الصهيوني وله ثلاثة أشقاء في سجون الاحتلال الصهيوني وهم سعيد الطوباسي ومحكوم بالسجن 28 عاما أما الأخوين الآخرين فهما سليمان ومحمد الطوباسي من قيادات سرايا القدس بالضفة المحتلة.
تطل علينا اليوم (31-1) ذكرى استشهادي القائدين "نضال أبو سعدة" و"أحمد الطوباسي" ، الذين سطرا بدمائهم العطرة أروع صفحات المجد والفخار وأرعبا جيشاً بأكمله.
نشأة القائد
ولد الشهيد المجاهد القائد "نضال على عبد اللطيف ابو سعدة" في العام 1978 . ودرس في مسقط رأسه علار حتى وصل الى الصف التاسع . ولانه من عائلة مستورة فقد آثر نضال ترك الدراسة الأكاديمية وتوجه لتعلم مهنه . وحصل على رخصة لمزاولة مهنة تتعلق بالكشف على المياه في بلدته مكنته وعلى صغر سنه من إعالة أسرته المكونة من 6 افراد.
نشأ نضال حاملا من الهموم ما تنوء بحمله الجبال .. فأصبح مكلفا بإعالة أسرته وتعليم إخوته وعلاج والده المصاب بداء السكري ذلك المرض الذي اودي به لاحقا الى فقدان البصر بشكل كامل.
في هذه الأجواء عاش نضال كآلاف الشبان في فلسطين ولكن سره الكبير قد انكشف دفعة واحدة وعلى رؤوس الأشهاد بعد استشهاد المجاهد جميل أبو سعدة الصديق الحميم لنضال.
وفي جنازة جميل ووداعه ظهر نضال حاملا السلاح أمام سكان البلدة . وأصبح منذ ذلك اليوم .. منذ آب في العام 2005 مطاردا ومطلوبا لسلطات الاحتلال الصهيوني .
زيارة خاطفة
أدرك نضال ان خطوته تلك ستحرمه من متابعة حياته كالمعتاد . وسيكون عليه التنقل من مكان لآخر وتفادي الظهور في أي مكان مكشوف واتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر إن شده الشوق ورغب في زيارة بيته والإطلاع على أحوال أسرته .
ويمر شهر وراء شهر وعائلته تتحرق شوقا لمعرفة أي خبر عنه . ويتمكن من الوصول للبيت والمكوث فيه لأقل من دقائق عشر ! تقول والدته:" كان مستعجلا وعيناه تدوران في البيت فقد كانت تلك اخر مرة يدخل البيت فيها وقبل رأس والده وعاد ليحيطني ويضمني الى صدره فقلت له: لماذا يا ولدي.. ؟ فأجابني دون ان يسمح لي بإتمام عبارتي المعاتبة :" الجهاد فرض على كل مسلم ولست بأفضل من غيري من المجاهدين "
بعد هذه الزيارة الخاطفة تنقطع أخباره عن عائلته ثم يتسرب خبر عن وجوده في طولكرم وتتمكن الأم من زيارته بالسر ولأقل من ربع ساعة.
مضايقة الاهل
تتحول حياة أسرة نضال إلى جحيم حقيقي عندما بات بيتهم ساحة يعيث فيها جنود الاحتلال فساداً، يحطمون محتوياته المتواضعة ويقلبون كل شبر في البيت بحثا عن نضال تارة يأتون قبيل الفجر ويجبرون الأسرة على المكوث في العراء لساعات . وتارة يهددون بنسف البيت على رؤوسهم إن لم يسلموا فلذة كبدهم نضال حتى استقر رأيهم ووصلت غطرستهم مداها الكبر باعتقالهم إخوة نضال هلال ومحمد .
في آب 2005 اعتقل هلال شقيق نضال وهو من مواليد 1979 وثم اعتقلت والدته مع شقيقته الصغرى وأسرة عمه كلها وأعيد إطلاق سراحهم بعد فترة وجيزة بعد تهديدها بالاحتجاز في السجن. ثم اعتقل محمد ووقع في دوامة الاعتقال الإداري.
ثم يعاد اعتقال والدته واقتيادها للتحقيق وتحدثنا ام نضال عن هذا فتقول: "جلس ذلك الضابط قبالتي وقال: ربما تسليم نضال لنا أفضل بكثير من قتله . ان تعاونت معنا سنسجن نضال وسترينه في الزيارات والا.....
قلت له: أنا لم أر نضال . وهو ابني وقطعة من روحي. أتراك تسلمني روحك؟
قال لي:" لا ولكن أليس أفضل من قتله؟؟
فارد عليه :" ان اراد الله له الحياة عاش بأمر الله وليس بإرادتكم.
وبعد ان يأس مني قال:" انا قادر على اعتقالك ولكن أنا أشفق على زوجك (الأعمى) المريض واعرف انك من تقومين على رعايته . ولو شئت لنقتلك الآن إلى السجن كما فعلت من قبل مع والدة معتز ابو خليل.
آثرت الصمت فلم ارغب باستجداء عطفه المصطنع . وقام هذا الضابط بإطلاق سراحي في حدود الساعة الثانية صباحا ..وسرت على الأقدام لساعات حتى أشرقت الشمس وتمكنت من الاتصال بأهلي الذين حضروا لأقرب نقطة وأرجعوني إلى البيت .
رفاق الدرب
تنقل نضال بين مدينتي جنين وطولكرم ونجا من عدة محاولات لاغتياله كان آخرها بتاريخ 12/1/2006 في جنين عندما استشهد معتز ابو خليل وعلي أبو خزنة من عتيل بالقرب من طولكرم بعد اشتباك مسلح فجر فيه معتز نفسه في جنود الاحتلال الصهيوني فقتل وجرح عددا منهم .
عشرة ساعات متواصلة استمرت تلك العملية الشرسة ضد ابطال سرايا القدس في جنين نجا منها نضال بأعجوبة وتمكن من الوصول لقرى جنين واختار هذه المرة عرابة.
آخر المطاف
في عرابة ينتهي المطاف بنضال الذي ناضل ببسالة للوصول اليها واخذ من الاحتياطيات ما اخذ ولكن القدر لا يوقفه الحذر، اختار نضال ومساعده احمد الطوباسي الحي الشرقي في عرابة والمعروف بحي الشيباني كملاذ لهما ليتواريا عن الأنظار في فترة أصبح قتلهم على لسم أوليات قوات الاحتلال الصهيوني .
فنضال هو القائد العام لسرايا القدس الجناح العسكري في الضفة الغربية خلفا للمجاهد لؤي السعدي وهو مسؤول عن قتل وجرح عشرات الجنود خلال عمليات المقاومة ضد الاحتلال.
ومساعده احمد من مخيم جنين منجم البطولة وشقيق سعيد الطوباسي الذي حكم بأعلى حكم في الضفة الغربية بعد مسؤوليته عن قتل العشرات خلال عمليتي كركور ووادي عارة الاستشهاديتين. فقد حكم عليه بالسجن 31 مؤبدا و50 عاما .
وفي يوم 1/2/2006 عاد نضال واحمد الطوباسي إلى مأواهم وفجأة ظهرت سيارة مشبوه في المكان فسارع نضال واحمد إلى الاختفاء من أمامها وقد أدركا أنهما يتعرضان في تلك اللحظة إلى محاولة اغتيال جديدة . كان تكبيراتهم تتردد في البلدة وهما يطلقان النار باتجاه جنود الاحتلال والقوات الخاصة التي نبعت من كل حدب وصوب وصبت جام غضبها وحقدها باتجاه المجاهدين.
ساعة كاملة تردد ساحات عرابة أصوات الرصاص والهتاف والتكبير تارة وصراخ الجنود ونباح كلابهم تارة أخرى بعد إن أصيب عدد منهم وكانت إصابة احدهم خطيرة وقد تم نقله في طائرة هيلوكبتر هبطت في الحي وسط موجة من الهستيريا . حتى ارتقى الشهيدين مضرجين بدماء الشهادة التي تمناها كل منهم وسعى نحوها .
حقد اسود
كان استشهاد كل من نضال أبو سعدة ومساعده ابن مخيم جنين احمد الطوباسي في حدود الساعة الثالثة من يوم 1-2. سبع ساعات متواصلة لم تكن كافية ربما ليمارس جنود الاحتلال الصهيوني ساديتهم ويقوموا بإخراج جميع رجال الحي .
مئات الرجال من سن 14-50 يتجمعون شبه عراة في ساحة الحي الشرقي في عرابة . ويجبرون على التمرغ بالوحل. وقد رفعوا ايديهم فوق رؤوسهم . وتحقيق ميداني مع كل منهم وبعدها اعتقال خمس مواطنين لا ناقة لهم ولا بعير في قصة نضال واحمد الذين بقي جثمانيهما ملقيان على الأرض تتشممهما الكلاب البولسية الضخمة ويحوم حولهما عشرات الجنود وقد منعوا سيارات الإسعاف من نقلهما رغم تأكدهم من أن احمد الطوباسي لم يكن قد لقي ربه بعد . وان حركة خفيفة تصدر عنه بين الفينة والأخرى ولكن النزيف الشديد من رأسه جعله يفارق الحياة أمام مرأى سكان البلدة الذين علا هتافهم وصراخهم لإنقاذه ولكن دون جدوى .
وبعد انسحاب قوات الاحتلال الصهيوني البلدة يحمل المجاهدين على الأكتاف ويجوب الآلاف من سكان عرابة والقرى المحيطة البلدة هاتفين بالثأر لهما وبعد وصولهما لجنين يتجمهر المئات ويجوبون الشوارع في مسيرة استمرت لمنتصف الليل.
بعد الرحيل
رحل نضال ابو سعدة .. تاركا الدنيا بزخرفها.. رحل حاملا مشعل البطولة.. رحل مفعما بالتحدي .. رحل مجاهدا لآخر رمق .. كان رفيقه في الشهادة احمد الطوباسي ابن مخيم جنين .. صديق الدنيا ورفيق الدرب والمسافر معه نحو جنان النعيم .

