الإعلام الحربي – خاص:
المكان: مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة.
الزمان: لحظات قبل غروب شمس الرابع عشر من رمضان 1417هـ.
الحدث: جريمة اغتيال بشعة بحق اثنين من أبرز قادة القوى الإسلامية المجاهدة "قسم" الجناح العسكري السابق لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وهما المجاهدين أيمن الرزاينة وعمار الأعرج.
الفاعل: ثلة مأجورة من أجهزة أمن السلطة الفلسطينية التي ربطت مصيرها بمصير الاحتلال الصهيوني.
فما أن فرغ الصائمون في قطاع غزة من تناول طعام إفطار اليوم الرابع عشر من شهر رمضان المبارك، حتى بدأت مساجد القطاع تصدح بأنباء الجريمة المروعة التي اقترفت بحق اثنين من أبرز قادة العمل العسكري الإسلامي في ذلك الحين الذين أرعبوا الكيان الصهيوني وجعلوه في حيرة من أمره، عبر تنفيذ سلسلة طويلة من العمليات الفدائية والاستشهادية كان أبرزها عملية بيت ليد الاستشهادية التي نفذها الاستشهاديان أنور سكر وصلاح شاكر. وقد كان وقع الصدمة أكبر عندما كشف اللثام عن وجه الجهة الفاعلة التي تلقت أوامرها من قادة الحرب في الكيان الصهيوني.
تطل علينا اليوم (3-2) ذكرى رحيل الشهيدين القائدين المجاهدين "أيمن الرزاينة" و"عمار الأعرج" الذين سطرا أروع صفحات المجد والفخار ولقنوا العدو دروساً في الجهاد والمقاومة.
محطة صعبة
الشيخ نافذ عزام القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، تحدث عن الشهيدين الرزاينة والأعرج، واللذين عاشرهما عن قرب خلال رحلة الاعتقال في سجون الاحتلال، وقال: رغم صغر سنهما عند دخول السجن عام 1991م، إلا أنهما كانا رجلين بمعنى الكلمة يمتازان بالشجاعة والإقدام.
وأكد عزام في حوار سابق معه، أن الشهيدين أسهما إسهاما كبيرا في تثبيت أركان المشروع الإسلامي في فلسطين خلال الفترة ما بين عامي 1994 و1996، عندما كان يُراد لمشروع التسوية والتصفية "أوسلو" إنهاء مشروع المقاومة في فلسطين وتفتيت القضية الفلسطينية، حيث كانا من بين الذين صمدوا ووقفوا في وجه تلك المحاولة الخبيثة، وجادوا بدمائهم وأرواحهم في سبيل إفشال ذلك المشروع التصفوي.
وأضاف: بلا شك أن رحيل القائدين أيمن وعمار يعتبر خسارة كبيرة لمشروع المقاومة ولفلسطين وحركة الجهاد الإسلامي، مشيرا إلى أن جريمة الاغتيال التي وقعت قبل ما يقارب الثلاثة عشرة عاما، ورغم انها شكلت محطة صعبة من محطات الجهاد الإسلامي، إلا أنها أنارت الطريق أمام كل المراهنين على مشاريع التسوية والمفاوضات والرضوخ للإملاءات الصهيونية، وعدلت مسارهم وبوصلتهم باتجاه الخيارات الحقيقية للشعب والقضية المتمثلة بخيارات الجهاد والمقاومة.
وشدد القيادي في حركة الجهاد على انه ورغم فداحة الخسارة، إلا أن الجهاد الإسلامي استطاع كظم غيظه والعض على جراحه حتى لا يكون عاملا من عوامل الفرقة والتناحر في الساحة الفلسطينية، استجابة للرؤية العامة التي تحملها الحركة والتي تؤكد أن الاختلاف الحقيقي والتناقض الحقيقي يجب ان يكون فقط مع الاحتلال.
أيمن القائد الفذ

كان شهيدنا مثالاً للشاب المسلم المجاهد.. كان يتمثل لقوله تعالى «أشداء على الكفار رحماء بينهم»... فكان ذا عللاقة طيبة مع الجميع.. كان ذا جسم رياضي قوي البنية.. فكان يحب الرياضة... وقد منحه الله قوة الجسم ووسامة الوجه في آن واحد.. كان مبدعاً في كل ما يقوم به.. ، كما ساهم في تأسيس نادى السلام الرياضي، وساعده في الصعود الى الدورى الممتاز «كرة الطائرة» ثم انتقل الى صفوف الجمعية الإسلامية التي كانت محطته الأخيرة، كان بطلاً وأسداً لوائياً في الجهاد... تعرفه شوارع وأزقة الوطن... تعرفه ميراج... وكفار داروم.. وغيرها.
كانت الانتفاضة المباركة بداية شهدينا البطل في العمل المنظم ضد قوات الاحتلال الصهيوني، فقد شارك في كل فعالياتها منذ اللحظة الأولى في مخيم الثورة - جباليا - بل من أول أيامها، فقد كان من أوائل الذين هاجموا الجيب العسكري الذي تم إحراقه في ساحة الشهداء في وسط المخيم الثائر في نفس اللحظات التي استشهد فيها الشهيد الجهادي (حاتم السيسي) هذه الشجاعة والبسالة التي رآها الجميع في مهاجمته لقوات الإحتلال جعلته محط أنظار أخوه الشهيد (أنور عزيز) الذي نظمه في اللجان العاملة الجهاد الإسلامي في فلسطين.
ونظراً لاعتباره من نشطاء حركة الجهاد الفاعلين في مخيم جباليا تم اعتقاله في عام 1989، ليدخل مدرسة يوسف عليه السلام ليسطر أروع آيات التحدى والصمود في أقبية التحقيق، وهناك في المدرسة الجهادية - النقب - تعلم شهيدنا الكثير من معانى الجهاد والمقاومة من إخوانه المجاهدين حيث الشهيد أنور عزيز رفيق دربه... تعلم كيف يصنع من ثواني عمره مشروع شهادة.
أمضى الشهيد الرزاينة في السجن ثمانية عشر شهراً ليخرج بعدها أكثر إصراراً وعناداً عاقداً العزم على مواصلة درب الشهداء ولينضم الى الجهاز العسكري لحركة الجهاد الإسلامي - القوى الإسلامية المجاهدة - ولتبدأ رحته الأخيرة نحو لقاء ربه.
وشارك الشهيد أيمن في العديد من العلميات العسكرية ضد جنود الاحتلال الصهيوني وأذاقهم طعم الموت الذي يجرعونه لشعبنا ليل نهار... فشارك في عملية (ميراج) حيث قام عدد من المجاهدين بالتربص لدورية صهيونية راجلة فقتلوا اثنين وأصابوا الثالث بجراح خطيرة، كما شارك في عملية عسكرية على حاجز إيرز بمشاركة عدد من المجاهدين فقتل ثلاثة جنود واستطاع المجاهد الأسد العودة الى عرينه بعد أن انفض على فريسته. وواصل الشهيد عملياته العسكرية، بجانب العمل على تطوير الجهاز العسكري للحركة، حيث وصلت ذروة العمل في عملية بيت ليد الشهيرة التي نفذها المجاهدان أنور سكر وصلاح شاكر، والتي قتل فيها 22 جندياً صهيونياًً وأصيب أكثر من 60 آخرين.
وقد كان الشهيد أيمن من المخططين لهذه العملية التي أربكت قادة الأمن الصهيوني وسعت جاهدة بكل أجهزتها وعملائها للكشف عن الذين يفقون وراءها، حتى استطاع اعتقل اثنين من أعضاء الحركة، وليظهر اسم شهيدنا أيمن ورفيق دربه الشهيد عمار الأعرج الى العلن ولتبدأ رحلة الخطر.
وقد أعتقل شهيدنا - الشاهد على ظلم هذه المرحلة - على أيدي أجهزة السلطة الفلسطينية لمدة شهر ونصف ثم مرة أخرى لبضعة أيام، ليتأكد شهيدنا أن قدره المحتوم هو الشهادة في سبيل الله فيقرر الاختفاء عن العيون بعد أن أصبح مطلوباً للأجهزة الأمنية الفلسطينية.
تقول والدة الشهيد «لقد تعودت على فراق أيمن وكنت أتوقع استشهاده في كل لحظة وحين سمعت النبأ أخذت أزغرد لأن والدي شهيد».
أما زوجته فقالت: «إن إبنه إسلام لايعرف شكل أبيه... فقدكان أبوه مطارداً ولم يكن يراه الا قليلاً» أما والده فقد قال «حسبنا الله ونعم الوكيل على القتلة».
عمار المدبر

كان عمار الطفل الدائم الحركة كثير البسمة، وكان عمار الشاب المجاهد دائم التبسم بشوش الوجه، محبوباً من الجميع، ومع هذا المرح والدلال الذي كان يلاقيه من أقاربه وجيرانه الا أنه كان دائم البحث والتدقيق في الأشياء الصغيرة وكل ما يتعلق بالمجال الالكتروني.
تقول والدته «لم يغضبني عمار ولو مرة واحدة في حياتي وكان كلما خرج من البيت وعاد يسألني عن أحوالي ويلاطفني ويدخل البهجة على قلبي».
اعتقل شهيدنا البطل أثناء عودته من السفر وحققت معه المخابرات الصهيونية، وحاولت أن تحصل منه على معلوما عن نشاطاته في الخارج ولكنه كان أصلب من جلاديه بقوة إيمانه وانتمائه ليمضى في معتقل النقب شهرين ويخرج بعده الى ساحات الوطن مرة أخرى... ليبدأ نشاطه في مقارعة الأعداء.
وشارك الشهيد في تأسيس مجموعة من الخلايا العسكرية التابعة للقوى الإسلامية المجاهدة - قسم - الجناح العسكري للجهاد الإسلامي حيث كان من أوائل تلاميذ الشهيد محمود الخواجا. واعتقل الشهيد أيضاً لدى أجهزة السلطة الفلسطينية لمدة شهر ونصف حيث تعرض للتعذيب الشديد.
تقول والدته: «عندما زرته في سجن غزة المركزي (السرايا) كانت آثار التعذيب على يديه واضحة فعدت الى البيت والحزن يملأ قلبي».
وتضيف والدته انها كانت تتوقع استشهاده في كل لحظة فقد كان يحدثها عن عروس ليس لها مثيل وكان يعني الحور العين، وكان يقول لأخته زوجة رفيق دربه المعتقل نضال البرعى قبل يوم واحد من استشهاده «لن أتابع قضية زوجك بعد اليوم».
أما القوى الإسلامية المجاهدة قسم - فقد أصدرت بياناً نعت فيه مهندس الجهاد والذي قام بإعداد جميع العبوات الناسفة للعمليات العسكرية التي نفذتها القسم من بيت ليد الى كفار داروم الى مفرق نتساريم، بالإضافة الى مشاركته في عمليات إطلاق النار على جنود الاحتلال في جنوب القطاع والتي قتل فيها جنديان وأصيب ثالث.
شهادة القادة
بعد خروج الشهيدين ايمن الرزاينة وعمار الاعرج من سجون السلطة أدركا حجم الخطر الذي يحيق بهم خصوصاً بعد إنتشار الأخبار عن دورهم في العمليات العسكرية ضد الكيان الصهيوني، وفي ظل التصفيات التي نالت من رفاق دربهم الذين شاركوه المشوار.. وفي ظل الأنباء التي تحدثت عن قيام العدو بوضع مخطط لتصفية كل من شارك في عملية بيت ليد.. هذا الإحساس دفع الشهيدين الى المطاردة والاختفاء عن العيون.
وفي 3/ 2/ 1996 الموافق 14 رمضان كان الشهيدان في ضيافة أحد المجاهدين... كان قد تبقى على موعد الإفطار بضع دقائق... كان عمار وأخوه أيمن يرتلان سورة الانفال فيما دائرة الحصار تضيق من حولهم. حاصرت عناصر من الأجهزة الأمنية البيت ودخل عشرة مسلحين وسألوا عن الشهيدين فطلبت منهم زوجة المجاهد صاحب البيت ان ينتظروا لتخرجهم، ولكنهم رفضوا وفي لحظة واحدة تنطلق الرصاصات الغادرة... وتصعد أرواح الشهداء الى بارئها... ويهرب القتلة... تلاحقهم دماء الشهيدين الى يوم القيامة.
ويدخل أهل الحي ليجدوا الشهيدين مضرجين بالدماء والمصاحف مفتوحة على سورة الأنفال وكأنهم يستعدون للقاء ربهم بالشهادة صائمين وكانت مسدساتهم تحت الفراش... فالسلاح الذي حمله المجاهدون كان لهدف واحد وهو دماء اليهود وليس دماء الخونة من افراد السلطة الفلسطينية الذين قتلوهم.

