المنطقة.. من التداعيات إلى المعطيات .. بقلم:عبد الزهرة الركابي

الإثنين 21 فبراير 2011

خلال زيارة وزير الحرب “الإسرائيلي” إيهود باراك إلى واشنطن واجتماعه بمسؤولي الإدارة الأمريكية، ذكرت مصادر قريبة من البيت الأبيض، أن أمريكا والدولة الصهيونية أجرتا مناورات عسكرية سرية في الفترة الأخيرة، تحسباً لأي حرب قد تندلع على خلفية الأحداث الشعبية التي قامت في أكثر من بلد في المنطقة، والتي أفرزت تداعيات سياسية بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب، ومن جهة أخرى قال الرئيس الفرنسي ساركوزي خلال الاجتماع التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، إن “إسرائيل” إذا ما قامت بإعادة هضبة الجولان إلى سوريا، فإن هذا الأمر سوف يقلل بشكل ملموس من قدرات التنظيمات والجهات والبلدان التي تُعدّ مصدر تهديد للدولة الصهيونية في المنطقة.

 

يتضح أن الأحداث المتمثلة في الانتفاضات الشعبية والتغييرات الحاصلة أو التي ستحصل، إنما هي تداعيات سلبية على أمريكا و”إسرائيل” والغرب عموماً، وهي تمثل إرباكاً مفاجئاً للمعسكر الأمريكي “الإسرائيلي” الغربي، مثلما تجسد معطيات إيجابية لقوى المقاومة والممانعة للمعسكر المذكور في المنطقة، من الممكن البناء والانطلاق منها نحو بلورة استراتيجية عربية ذات أبعاد سياسية وعسكرية وأمنية وربما اقتصادية، بهدف تعزيز جبهة الممانعة العربية، كي يكون للعرب أكثر من خيار فعال على محور الصراع العربي “الإسرائيلي”، على طريق قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية ضمن حدود عام ،1967 وتحرير الأراضي العربية المحتلة من قبل الدولة الصهيونية، اعتماداً على الخيار المناسب والموصل إلى هذا الهدف .

 

ومن المؤكد أن مثل هذه التغييرات إذا ما حصلت وفق الهدف المنشود، فإنها بلا شك ستنعكس سلبياً على الموقف “الإسرائيلي” في المنطقة والعالم، خصوصاً إذا ما أخذنا في الإعتبار أن العلاقات “الإسرائيلية” الإقليمية قد تضعضعت في السنوات الأخيرة على صورة مشهودة، حتى رأينا في بعض المواقف الإقليمية أكثر تقدماً في معارضتها للسياسة “الإسرائيلية”، من بعض السياسات السائدة في المنطقة، وهذا ما يجعلنا نميل إلى القول، إن الدولة الصهيونية ستجد صعوبة في إملاء سياساتها في المنطقة، على حساب الحقوق والمصالح العربية، لا سيما إذا ما واجهت في المحور العربي عموماً خيارات تتسم بالصرامة والقوة.

 

وعلى هذا الواقع، أصبح للدبلوماسية العربية مجال ذو فاعلية للنفاذ إلى المؤسسات الدولية، حتى لو ظل “الفيتو” الأمريكي، سيفاً مسلطاً على هذا المجال، على الرغم من أن الفلسطينيين قد جربوا الذهاب إلى الأمم المتحدة، فضلاً عن أن إعلان فلسطين دولة مستقلة قد تم في عام ،1988 وهو إعلان لم يتحقق منه شيء على أرض الواقع، وفيما كانت تتراجع فرص قيام الدولة الفلسطينية خلال الفترة الأخيرة، إذا بالمعطيات الجديدة في المنطقة، تدهم بشكل مفاجئ ودراماتيكي، المعسكر الأمريكي الغربي، بحيث إن هذا التطور في المنطقة العربية، لن يكون في كل الأحوال لمصلحة السياسات الغربية والأمريكية التي هي السند الداعم والمنحاز في آن واحد للسياسة “الإسرائيلية”.

 

وبعدما أظهرت واشنطن بشكل واضح عدم استعدادها للضغط على الدولة الصهيونية، من خلال فرض حل الدولتين واعتبار القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، كما أن الاتحاد الأوروبي الذي وجد نفسه منقاداً للموقف الأمريكي في هذا الجانب، كل هذا يتطلب هزة أو صدمة قوية مثل الأحداث الأخيرة، كي تجعل الإرادة السياسية متوافرة لدى أمريكا والاتحاد الأوروبي، لتعديل الموقف الغربي في ما يخص الصراع العربي “الإسرائيلي”، وربما تكون الأحداث التي تلاحقت في المنطقة، هي الصدمة أو الهزة المطلوبة في هذا السياق، على أن يكون الخيار العسكري لدى قوى الممانعة العربية مهيئاً وموازياً في صلابته للخيار السلمي والدبلوماسي الحاسم، إذا ما تأكد تلاشي الخيار الأخير في الحاضر والمستقبل المنظور، حتى يُبنى على الشيء مقتضاه .

 

إذاً، التداعيات السلبية تدهم المواقف “الإسرائيلية” والأمريكية والغربية، في مقابل المعطيات الإيجابية التي شكلتها الأحداث الأخيرة التي تصب في مصلحة قوى الممانعة العربية، وهو ما يعني أن محور الصراع العربي “الإسرائيلي” قد دخل مرحلة جديدة بشقيه العسكري والسلمي، ومن الطبيعي أن آلية التعاطي مع خيار السلام، ستختلف من ناحية الفاعلية بالنسبة إلى العرب في المرحلة المقبلة أو الجديدة عن الحقبة السابقة التي شهدت عجزاً ونكوصاً في أداء السياسات السائدة، بفعل ظروف وعوامل وأحداث، لسنا في صدد ذكرها.

 

وعليه، فإن المعطيات المذكورة سوف تلقي بظلها الضاغط على المؤسسات الدولية حتى لو كانت تحت الهيمنة الأمريكية والغربية بشكل أو بآخر، وهذه المؤسسات نفسها ستكون عرضة لتعديل موازين القوى في هياكلها مستقبلاً، وسط ترجيحات بصعود قوى دولية جديدة إلى مصاف الزعامة المتعددة في العالم، بعدما انفردت أمريكا بالزعامة الأحادية حتى الآن منذ انتهاء الحرب الباردة.