الإعلام الحربي – خاص:
انضم الأسير القائد "محمد أبو جلالة" (45) عاماً أمس الثلاثاء لقائمة عمداء الأسرى الفلسطينيين، ليرتفع بذلك عدد الأسرى الذين قضوا أكثر من عشرين عاماً داخل سجون الاحتلال لـ 133 أسيراً.
وفي مثل هذه الأيام وقبل أكثر من عشرين عاماً انطلق المجاهد القائد "محمد أبو جلالة" احد قادة "الجهاد الاسلامي" وهو من سكان مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، مستقلاً سيارة أجرة نحو مدينة القدس مصطحباً معه سكيناً، بعد أن توعد الصهاينة برد مؤلم على جرائمهم بحق أبناء شعبنا الفلسطيني.
"إجراءات متعددة.. وأشكال تعذيب متنوعة رافقها العزل الانفرادي لسنوات طويلة".. لم يمنع ذلك الأسير محمد أبو جلالة (44 عاماً) من أن يكون أحد قادة الحركة الأسيرة خلف قضبان المعتقلات الصهيونية.
إرادة قوية تمتع بها الأسير أبو جلالة المُعتقل منذ العاشر من مارس/اذار عام 1991 رغم معاناته من مرض فقر الدم، مصراً على أن يكون أحد القابضين على جمرة فراق الأهل وعدم لقاء الأحباب الذي أضحى صعب المنال.
وآثر أبو جلالة تحدي ظُلم السَجان في ليل معتقلٍ كاحلٍ ليقدم ما نفعه به الله من علم إلى الأسرى رغم المرض، ليمتلك بعدها تأثيراً قوياً على رفاق دربه من الأسرى داخل المعتقل وليكون أحد عمداء الأسرى الفلسطينيين.
قصة "الحكيم الأسير"
تعود قصة الأسير أبو جلالة إلى عام 1989 حينما اعتقلت قوات الاحتلال أحد أقربائه ويدعى حسين أبو جلالة (17 عاماً) في شمال قطاع غزة واعتدت عليه بالضرب إلى أن أصيب بكسور حادة في مختلف أنحاء جسده.
وعندما كان "حسين" في طريقه إلى المستشفى ارتقى شهيداً وهو مُمَدد على أيدي الأسير أبو جلالة، فيما عاد محمد إلى أهله وأعلن النفير قائلاً: "قررت الانتقام".
حظيَ أبو جلالة بحياة كريمة، لكنه فضل الانتقام لدماء الشهداء وبدافع الانتماء لقضيته، وكانت دماء "حسين" إحدى الدماء التي روت ظمأ أرض ذاقت مرارة المحتل على مدار سنوات طويلة.
شقيق الأسير أبو جلالة وهو درويش (63 عاماً) يقول: "أنهى محمد دراسته ليصبح (اصطف نيرس "حكيم") من مستشفى المعمداني وتوظف في ذات المستشفى بعد أن أتمَّ تخرجه من ذات المستشفى".
توجه أبو جلالة إلى العمل بعد ذلك في مستشفى "أبو رية" في مدينة رام الله، فيما بدأ بعدها التخطيط للقيام بعملية استشهادية ثأراً للمعاناة التي تكبدها الشعب الفلسطيني على يد المحتل.
وفي القدس المحتلة كان مكان العملية، حيث قتل (4) جنود صهاينة وأصاب (3) جنود آخرين طعناً بسكينته، فيما أصيب هو بعدة رصاصات اعتقل على إثرها (17 عاماً آنذاك)، وبدأت بعدها رحلة الاعتقال المحفوفة بكل أنواع الانتهاكات بحق الإنسانية.
وقف الأسير أبو جلاله أمام القاضي الصهيوني في المحكمة بعد العملية وبعد أن أتمَّ علاجه، قائلاً بصوته الغاضب "إن لم أُعدم وخرجت سأعيد الكرة مرات حتى الشهادة"، في إصرار منه على قتل المزيد من الجنود، فيما حُكم عليه بأربعة مؤبدات وعشرات السنين .
قائد داخل المعتقل
تكبد الأسير أبو جلالة داخل معتقلات الاحتلال الإسرائيلي معاناة كبيرة على يد السجانين الصهاينة.. بل إنه يصعب وصف تلك المعاناة التي واجهها.
يتحدث الأسير المحرر "رأفت حمدونة" وهو أحد رفاق "أبو جلالة" داخل المعتقل لأكثر من 10 سنوات فيقول: "مكث أول 3 أعوام من سجنه في زنازين تحت الأرض في سجن الرملة".
وتحمل أبو جلالة العزل الانفرادي لسنوات طويلة في عدة زنازين من سجون مختلفة خلال رحلة تنقله بين المعتقلات الإسرائيلية، فيما عانى منذ سنوات من انخفاض نسبة الدم إلى (5)، بالإضافة إلى أنه كان "يتقيأ الدم"، كما يوضح حمدونة.
لكن ذلك لم يثن الأسير أبو جلالة عن أن يكون أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي داخل السجون، بينما امتلك مواقف مشرفة مع الأسرى من خلال علمه الواسع وثقافته المميزة علماً بأنه يتقن لغات الإنجليزية والعبرية والألمانية.
يضيف حمدونة: "لقد كان مرشداً للأسرى الجُدد من خلال الجلسات الثقافية، وقدم الكثير من الجلسات في اللغة الإنجليزية، وكان متأقلماً مع كافة الأسرى من مختلف الفصائل، ويحب الجميع، وصاحب تأثير قوي على الأسرى".
ويستذكر حمدونة من المواقف المشرفة للأسير أبو جلالة داخل المعتقل قائلاً: "كان عنيداً فيما يتعلق بحقوق الأسرى بشكل عام، وكان سبَّاقاً في كل مستوى نضالي، وكان حنوناً وعطوفاً على الأسرى".
ويكمل: "كان عنيداً بقراراته باتجاه التصعيد وعدم التهاون بالحقوق الفلسطينية وخاصة حقوق الأسرى داخل السجن حتى لو كلف ذلك حياته".
الشاعر الوطني
"ويرجع الفدائي من القرن الحادي والعشرين .. إلى زمن أفران الغاز ومحاكم التفتيش.. يحمل جراحاً غائرة في ثنايا الجسد وحنايا الروح".. تلك هي أولى أبيات قصيدة شعرية كتبها الأسير أبو جلالة داخل السجون تحت عنوان "من يوميات أسير".
وفي رثائه للأسرى الذين اكتووا بنار السجَّان يقول في ذات القصيدة: "أعقاب السجائر ما زالت تُقطِرُ مِنها رائحة الشواء.. آثارها مُتناثرة على امتداد جِراح السُجناء.. هامة الكبرياء منكسرة .. بعدما أعدمتها سياط الغلمان الجبناء".
وفي قصيدة كتبها تحت عنوان "نحن أسرى" قال فيها: "نحن أسرى دونما وطن.. أسرى دونما ثمن.. منسيون أموات على خرائط الزمن.. أحياء أموات دونما كفن.. نحن بقايا النسيان في ذاكرة الوطن".
ويعاتب أبو جلالة في قصيدته من نسوا قضية الأسرى، فيقول: "كل قائد يغمض عنا عينيه ويقبض الثمن.. نحن بقايا الزمان على خرائط البشر.. نحن عرايا المكان.. يسمى السجن".
ويضيف "يرسلوننا من مفاوض لمفاوض.. من بائع لبائع.. من مُتخاذل لمتخاذل.. من خائن لخائن.. من هالِك لهالِك.. من شائن لشائن.. من ذليل لذليل.. نركض وراء السراب.. من مؤتمر لمؤتمر".
أما قصيدته التي حملت اسم "الإضراب التاسع على مائدة يوشع" قد قال فيها: "انقضى الإضراب الرابع ولم ترفع مائدة يوشع.. توالت الأيام سنوات القهر والألم في تتابع.. وتلاه الإضراب التاسع.. الأمعاء الخاوية من جديد تتربع على مائدة يوشع".
ويتمم قائلاً: "نقضي اليوم الرابع عشر كسابقيه.. توالت غيوم الجوع وانهمر الألم بلا دموع بلا ركوع بلا هجوع.. أحشاء تصرخ في وجه العتمة الراكدة عساها توقظ النخوة الكاسدة.. لكنها لم تصحُ بعد ضمائر القادة ونخوة شيوخ الاعارب الفاسدة".
ويقبع الأسير أبو جلالة في سجن نفحه الصحراوي، فيما لا زال خطر مرض "فقر الدم" يتهدد حياته في ظل الإهمال الطبي داخل السجون.
وكان مركز الأسرى للدراسات قد حذر من تدهور الحالة الصحية للأسير أبو جلالة نتيجة إصابته بفقر الدم، موضحاً أن أبو جلالة هو أحد قدامى الأسرى وأحد قادة الحركة الوطنية الأسيرة، وقد تميز بالكثير من العطاءات.
أما عائلته ومن تبقى منها بعد وفاة والد الأسير ووالدته عام 2000، ما زالوا يترقبون تحرير الأسير أبو جلالة بعد فراق طال 20 عاماً، فيما ترتجف القلوب بخوفٍ من الآتي المجهول.. والحناجر بأعلى صيحات الاستغاثة تسأل العالم وأحراره.. (أين حقوق الإنسان)..؟!

