أخيرا اضطرت "إسرائيل" إلى نشر منظومة القبة الفولاذية المضادة للصواريخ قصيرة المدى في محيط مدينة بئر السبع المحتلة؛ هذا الأمر هو في الحقيقة جزء من الأزمة وليس الحل في مواجهة المقاومة في لبنان وفلسطين وتحديدا فيما يتعلق بالصواريخ قصيرة المدى -أي القسام والكاتيوشا والغراد- التي يتراوح مداها ما بين 4 إلى
حتى عندما جرى التوافق على استحداث وتطوير المنظومة كإحدى العبر من حرب لبنان الثانية التي استطاعت المقاومة عبرها نقل الحرب إلى العمق الأمني والمدني الإسرائيلي، تم ذلك على اعتبار أنها ستنشر في محيط القواعد العسكرية والمؤسسات الأمنية الحساسة وليس في محيط المدن والتجمعات الاستيطانية الكبرى أو الصغرى.. وفقط تحت وطأة العجز عن منع انطلاق الصواريخ من غزة سواء في أثناء الحرب الأخيرة أو بعدها جرى الترويج لفكرة نشر المنظومة لحماية المستوطنات والمدن المحيطة بالقطاع، وهو أمر كان للاستهلاك الإعلامي ولم يعبر عن نوايا جدية لجيش الاحتلال كما أفصح ذات مرة قائد المنطقة الشمالية الجنرال غادي أيزنكوت الذي كان أحد المرشحين لمنصب رئيس الأركان.
التصعيد الأخير في غزة -الذي بادرت إليه "إسرائيل" نفسها- أكد في السياق استحالة إيقاف إطلاق الصواريخ من قطاع غزة بوسائل عسكرية حتى لو وصل الأمر إلى إعادة احتلال قطاع غزة مرة أخرى؛ مما يعتبر أيضا جزءا من الأزمة وليس الحل بالنسبة للدولة العبرية تماما كنشر منظومة القبة الفولاذية في محيط بئر السبع وليس في محيط المستوطنات المجاورة تماما للقطاع. نشر المنظومة سلط الضوء كذلك على جوانب أخرى متعلقة بها سواء عملياتية أم اقتصادية كانت،؛ فهي باهظة الثمن قياسا إلى الصواريخ البدائية والزهيدة ناهيك عن فعاليتها القاصرة عن حماية مدن بكاملها، والأهم عدم امتلاك جيش الاحتلال سوى لعدد محدود من تلك المنظومة المخصصة أساسا للجبهة الشمالية مع لبنان وليس للجنوبية التي تعتبر أقل خطرا بنظر قيادة الجيش.
في المجمل: كرس الجدل والنقاش الإسرائيلي حول فعالية المنظومة وكلفتها وجدواها بل فلسفتها الأساسية حقيقة المأزق الذي تواجهه الدولة العبرية في مواجهة المقاومة في الشمال والجنوب، وعجز العقيدة القتالية التقليدية عن تجاوز الأساليب والتكتيكات القتالية للمقاومة. علما بأن ارتكاب جرائم الحرب كما جرى في لبنان وغزة -نظرية الضاحية- أدى إلى تعميق المأزق ليس ميدانيا فقط إنما سياسيا وإعلاميا وقضائيا أيضا.. العزلة السياسية والدبلوماسية التي تعانيها "إسرائيل" الآن هي إحدى أبرز وأوضح تجليات المأزق.

