الإعلام الحربي – غزة:
لم يستطع العدو فرض منطق جديد أو تغيير قواعد اللعبة، بينما تمكنت المقاومة من فرض منطقها، وإجبار الكيان الذي لا يقهر على القبول بتهدئة غير معلنة، حتى ولو كانت تهدئة شكلية هشة لن تصمد طويلا".
بهذه القناعة، عبَّر محللان سياسيان عن اعتقادهما حول ما جرى من صراع إرادات وردع في قطاع غزة خلال العدوان الأخير عليه، والذي امتد ثلاثة أيام، ارتقى خلاله 18 شهيدًا وأصيب أكثر من 70 مواطنا.
ورأى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة أسعد أبو شرخ أنَّ المقاومة لعبت هذه المرة دورًا مهمًا، بحكم التنسيق والرد القوي الذي برزت قوته بشكل مغاير، تمثل في ضرب أكثر من موقع للاحتلال.
وأَعْجَبَ أبو شرخ استخدام المقاومة لصواريخ نوعية جديدة -سواء المضادة للدروع أو الجراد أو حتى الهاون المكثف- والتي استخدمت للدفاع عن الشعب، وأطلقت بكثافة.
بلا شك، أثرت هذه الصواريخ في العدو، حسب المحلل السياسي الذي لم يغفل تورط الاحتلال أصلاً بانقسام داخل كيانه حول هذا العدوان، "فالقيادة العسكرية هناك لا تريد هذا التصعيد لأنها تدرك أنه سوف يورط الجيش فيما لا يريد، لكن القيادة السياسية الحمقاء كانت تضغط باتجاه التصعيد".
وأن تتمكن المقاومة من جعل أكثر من مليون صهيوني يلجئون للملاجئ هربًا من الصواريخ، خلق معادلة جديدة جعل الكيان الصهيوني يقبل التهدئة مرحليًا، سيما بعد ضياع الضاغط المصري على الفلسطينيين، بل وبروز ضاغط جديد على الكيان الصهيوني، حسب أبو شرخ –في إشارة لمصر ما بعد الثورة-.
تهدئة في صالحهم
ورغم ذلك، يرى أبو شرخ أنَّ الكيان الصهيوني لا يريد تهدئة في وقت يبقى خيار الفلسطينيين بإطلاق الصواريخ مفتوحًا، "ولكنه يريد ردع الشعب الفلسطيني مع هدوء تام في جنوب الكيان".
وفي تقديره "حينما يكون هناك هدوء تام وعدم إطلاق صواريخ على الكيان الصهيوني، ويعيش المستوطنون في نعيم، هذه تهدئة في صالح الاحتلال يمكن أن يقبل بها، لكن في نفس الوقت، يريد أن يضرب القطاع من وقت لآخر حتى يضعف المقاومة".
"فالتهدئة بهذا المعنى ليست في صالح الفلسطينيين، نحن لا نريد تهدئة ينعم بها شعب الكيان الصهيوني بالأمن، بل يجب أن يكون هناك حركة مقاومة فلسطينية نشطة حتى يعرف العالم أن هناك عدو محتل وأن هناك حصار وأن لنا حقوق، فنحرك الشعوب والأنظمة من سباتها"، وفقا لأبو شرخ.
المقاومة تحكمت باللعبة
"وفعلا، حاول العدو خلال الفترة الأخيرة فرض معادلة جديدة، ليس فقط في التعامل مع غزة فحسب، بل مع فصائل المقاومة الفلسطينية من خلال توسيع دائرة عملياتها العدوانية واستهداف المقاومة وكوادرها، معادلة يريد منها الكيان تسهيل الانتقال نحو عدوان شامل على غزة".
هذا ما افتتح به الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين حديثه، قبل أن يبدي إعجابه بردّ المقاومة الذي كان سريعًا وحاسمًا برفض فرض معادلة جديدة، بل إجراء تغيير المعادلة بما يخدم المقاومة ويحمي الشعب الفلسطيني في غزة، من عدوان الاحتلال.
وما قامت به المقاومة من استخدام صاروخ متطور صوب الحافلة في بداية الأحداث، حسب شاهين، لم يكن هدفه إيقاع خسائر بشرية في صفوف الصهاينة بل إيصال رسالة واضحة للكيان بعدم تجاوز الخطوط الحمر بما يتعلق بالمعادلة القائمة حاليا، "فالذي استهدف الحافلة وهي فارغة يمكنه أن يفعل ذلك وهي ممتلئة".
وعبَّر شاهين عن اندهاشه من الانضباط الكبير الذي أدارت به فصائل المقاومة الفلسطينية إطلاق الصواريخ باتجاه المستوطنات وعدم الانجرار إلى توسيع نطاق العدوان.
وهذا بحدِّ ذاته، كان يهدف لتوجيه رسالة واضحة لقادة الاحتلال أن المقاومة تستطيع أن توجه ضربات مؤلمة، وفقًا للمحلل السياسي الذي رأى أن هذا الأمر لعب دورًا أساسيًا في فرض التراجع على قادة الاحتلال وقبولهم عمليًا بالتهدئة، وإن كانوا لا يريدون ذلك صراحة حتى الآن.
ويقول شاهين إن "هذا المتغير الجديد في أداء المقاومة سيكون له دورًا كبيرًا في الحكم على مسار أي عدوان صهيوني جديد".
ولا يتفاءل الرجل بصمود كبير للتهدئة، فبرأيه، هناك قرار صهيوني بشن عدوان جديد على غزة، وهذا الأمر لم يعد مثار جدل، فالصهاينة أنفسهم يتحدثون أن شن حرب على غزة هي مسألة وقت.

