الاعلام الحربي _ خاص
نقف اليوم وقفة عز وشموخ للحديث عن تاريخ رجل حافل بالبطولة والمجد، عن رجل له من اسمه نصيب، لأنه لين طيب المعشر والأنس، يحبه كل من رآه، فإذا نظرت إلى وجهه يجذبك إليه نور وضاء يترقرق كجدول ماء عذب يتسلل من شجيرات خضراء تغريك بمتابعة النظر، ورغم سنين العمر وطولها لا يزال هذا الرجل في عقول ووجدان ونفوس الناس، فتتخيله الناس وهو يسير في الشوارع والحارات والأزقة، وربما ليس عجباً أن يتخيلوا صورته وهي ترتسم على سعف النخيل أو على صورة قمر أو جذع الزيتون أو على خارطة الوطن.
هذا الوطن المجروح الذي افتقد ذلك المجاهد الذي عشق التضحية في سبيل الله ووهب نفسه وما يملك لدعوة الله، فعندما تنتزعه السجون من بين أحضان الوطن يشعر الناس بقيمة ذلك المجاهد، فأكثر من بدر أيها المجاهد أنس غالب جرادات.
الميلاد والنشأة
ولد الأسير القائد أنس غالب حسن جرادات بتاريخ 7-12-1981م، في بلدة سيلة الحارثية قضاء مدينة جنين، ونما في ظل عائلة مكونة من سبعة عشر أخاً وأختاً بالإضافة إلى والديه، وتتصف عائلته بالمحافظة على القيم والأخلاق الإسلامية.
كان القائد أنس جرادات منذ صغره ملتزماً بالصلاة في المسجد، كما تعلم القرآن الكريم وحفظ منه قصار السور، ودرس وتعلم في مدرسته سيلة الحارثية، وكان في بداية دراسته من الطلبة المتفوقين، ونتيجة لاشتداد الهجمة الصهيونية على طلبة العلم في سيلة الحارثية وإغلاق أبواب المدارس واقتحامها شبه اليومي، قرر المجاهد أنس الخروج من المدرسة والتوجه للعمل في مجال البناء.
شارك القائد أنس رغم صغر سنه بفعالية عالية في أحداث الانتفاضة الفلسطينية الأولى، رغم محاولة العائلة تجنيبه الانخراط في صفوف المتظاهرين حرصاً عليه وخوفاً لصغر سنه، ولكنه كان يتقدم الصفوف ويحض الشباب على الثبات في مواقع الاشتباك مع العدو الصهيوني.
دوره في انتفاضة الأقصى
كان القائد أنس جرادات من أوائل من لبى الواجب بالدفاع عن القدس والمسجد الأقصى، وبدأ يشارك في كل فعاليات ونشاطات انتفاضة الأقصى عام 2000م، وقرر الوقوف إلى جانب من يحمل هم الأمة، فوجد نفسه يتأثر بخاله الأسير القائد بسرايا القدس سامي جرادات في ظل حركة الجهاد الإسلامي، وبدأ المجاهد أنس يعمل في صفوف جناحها العسكري سرايا القدس.
وخلال مشواره الجهادي كان للقائد أنس جرادات جولات وصولات في مواجهة العدو الصهيوني على الطرق الالتفافية في مدينة جنين، ونتيجة لشجاعته وإقدامه وحسه الأمني تم تكليفه من قيادة سرايا القدس بأن يكون أحد القادة الميدانيين للسرايا في مدينة جنين وذلك بعد إلحاح شديد عليه.
وابتدأ مشوار القائد أنس جرادات جنباً إلى جنب مع قادة ومجاهدي سرايا القدس في جنين، ابتداءً مع الشهيد القائد نعمان طحاينة القائد العام لسرايا القدس، والشهداء القادة خالد زكارنة وإياد صوالحة وعدد آخر من المجاهدين.
شارك القائد أنس جرادات برفقة الشهيدين إياد صوالحة وخالد زكارنة في التجهيز لعملية الاستشهادي محمد حمدية من سكان جنين، وينحدر من قطاع غزة، حيث عمل القائد أنس جرادات على توصيل الاستشهادي حمدية الذي نفذ عمليته في مدينة العفولة المحتلة بتاريخ 20-5-2002م، وكان من المقرر أن يفجر شهيدنا نفسه في حافلة صهيونية ولكن تفاجئ بوجود بعض الفلسطينيين من الداخل المحتل داخل الحافلة مما جعله يغير مسار العملية, وشاء قدر الله أن يمر جيب صهيوني بعد أن نزل من الحافلة وقام بتفجير جسده الطاهر في الجيب.
دوره في عملية مجدو الاستشهادية
يعتبر القائد أنس جرادات احد مهندسي عملية مفرق كركور الاستشهادية والتي أشرف عليها برفقة الشهيد القائد إياد صوالحة والأسير القائد سعيد طوباسي، حيث عمل على إخراج السيارة المفخخة مع الاستشهادي حمزة سمودي إلى موقع العملية في مفرق مجدو رغم الانتشار المكثف للأجهزة الأمنية الصهيونية في كافة مداخل ومخارج جنين، وقام الاستشهادي حمزة سمودي بتفجير السيارة المفخخة في حافلة صهيونية مكتظة بالجنود مما أدى إلى مقتل 17 جندياً صهيونياً وإصابة العشرات وكانت بتاريخ 5-6-2002م، وجاءت رداً على مجزرة مخيم جنين في شهر أبريل عام 2002م.
قرر القائد إياد صوالحة والمجاهدين أنس جرادات وسعيد طوباسي وبمباركة وتخطيط الشهيد القائد نعمان طحاينة الرد على المجزرة الصهيونية في قطاع غزة بتاريخ 23-7-2002م، والتي أدت لاستشهاد القائد العام لكتائب القسام صلاح شحادة والعديد من الأطفال، وقاموا بالإعداد لعملية نوعية وتجهيز سيارة مفخخة تحمل ما يقارب 400 كغم من المتفجرات ليتم تفجيرها في عمارة سكنية مكونة من عشر طبقات في مدينة الخضيرة المحتلة، وتم كشف العملية في اللحظات الأخيرة ولم يكتب لها النجاح.
والجدير ذكره أن رئيس الكيان الصهيوني آنذاك شمعون بيرس علق على العملية قائلاً:" لو نجحت هذه العملية وتم تفجير الجيب في المكان المرصوص لغيرت معالم كثيرة في الشرق الأوسط".
الإعداد لعملية كركور الاستشهادية
وخلال رحلته الجهادية بدأ القائد أنس جرادات برفقة الشهيد القائد إياد صوالحة والأسير القائد سعيد طوباسي التجهيز لعملية استشهادية مزدوجة وتحديد موعد لها وتم تجنيد وتصوير الاستشهاديين أشرف الأسمر ومحمد حسنين، واستطاع الأسير أنس جرادات بصعوبة بالغة إدخال السيارة المفخخة إلى قلب الكيان الصهيوني في مفرق كركور، واستطاع القائد أنس تجنيد اثنين من المجاهدين لمساعدته في إخراج العملية إلى حيز التنفيذ، كما تمكن من شراء جيب من نوع كيا من أجل استخدامه في العملية المزدوجة، وقام الاستشهاديان بتفجير جسدهما الطاهر بمحاذاة حافلة صهيونية مما أدى إلى مقتل 14 جندياً صهيونياً وإصابة 50 آخرين.
بعد العملية المزدوجة كثف الشاباك الصهيوني ملاحقة القادة الثلاثة مستخدمين كافة أنواع ووسائل المراقبة البشرية والالكترونية وطائرات الاستطلاع بحثاً عن الأبطال، وتمكن الشابك من اعتقال القائد سعيد طوباسي عبر عملية أمنية معقدة جداً بتاريخ 1-11-2002م، وما هي إلا أيام حتى تم محاصرة منزل القائد إياد صوالحة وخاض اشتباكاً عنيفاً مع جنود العدو على أن نفذت ذخيرته وارتقى إلى علياء المجد والخلود في تاريخ 9-11-2002م.
قائداً لسرايا القدس في جنين
أصبح حال القائد أنس جرادات صعباً بعد أن فارقه الشهيد القائد إياد صوالحة والأسير القائد سعيد طوباسي، حيث اتخذ الشهيد القائد نعمان طحاينة قراراً هاماً بتعيين القائد أنسر جرادات قائداً لسرايا القدس في جنين محملاً إياه الأمانة التي تركها الشهيد إياد صوالحة والأسير سعيد طوباسي، وسارع القائد أنس إلى إعادة هيكلية وترتيب سرايا القدس وبدأ بتقسيم المجموعات والخلايا العسكرية كل حسب تخصصه.
استطاع القائد أنس جرادات أن يطور العمل العسكري ويوسع دائرة التعاون مع خلايا سرايا القدس في مدينة طولكرم وزودهم بكمية متفجرات وعتاد وذخيرة، وعمل على تبادل الخبرات والمعلومات مع المجاهدين من اجل النهوض بسرايا القدس، وكان شديد الحرص على مشاورة الشهيد القائد نعمان طحاينة وخاله الأسير القائد سامي جرادات في كل صغيرة وكبيرة لإنجاح المهمة التي كلف بها.
استمر القائد أنس في التحضير للعمليات الاستشهادية حيث استطاع المجاهد محمد جرادات الملقب بـ (الزطام) والذي يعتبر الذراع الأيمن للقائد أنس جرادات تجنيد المجاهد أمير جرادات لتنفيذ عملية في قلب الكيان الصهيوني، واستطاع المجاهدان أنس ومحمد تحضير كمية كبيرة من المتفجرات المطلوبة للعملية رغم صعوبة تحرك القائد أنس لشدة الملاحقة الأمنية الصهيونية له.
واصطدم المجاهدين محمد جرادات وأمير جرادات بدورية صهيونية وتمكنا من الانسحاب وترك السيارة المفخخة، وانشغل العدو بعملية تفكيك المتفجرات من الساعة السادسة مساء حتى الساعة الحادية عشر ليلاً، وأعلن الشاباك الصهيوني أنهم يواجهون صعوبة كبيرة في عملية تفكيك المتفجرات، وأنها تذكرهم بعمليات المهندس الأول للعمليات الاستشهادية في فلسطين الشهيد محمود الزطمة لصعوبة تركيب العبوات المستخدمة في العملية، واعتقل المجاهدين في وقت لاحق ولا زالا قابعين في سجون العدو.
وفي هذه الفترة كانت الأجهزة الصهيونية قد كثفت ملاحقتها للمجاهدين، وبعد فشلهم في اعتقال القائد أنس جرادات قرر الشاباك الصهيوني هدم منزل عائلته، وهذا الأمر لم يفت من عضده، وتمكنت قوات الاحتلال من اعتقال أشقائه للضغط عليه من أجل تسليم نفسه.
وأشرف القائد أنس جرادات على عملية الاستشهادي المجاهد أنس عجاوي من جنين والتي تمكن خلالها الاستشهادي من اقتحام مستوطنة (شاكيد) الصهيونية شمال الضفة الغربية المحتلة بتاريخ 19-4-2003م، وأدت لإصابة 3 جنود صهاينة أحدهم بحالة حرجة، وقام القائد أنس جرادات بالإعلان عن العملية واسم منفذها وأنه تابع لسرايا القدس.
اعتقاله والحكم عليه
في تاريخ 11-5-2003م، تمكن جهاز الشاباك الصهيوني من رصد المكان الذي يتواجد فيه القائد أنس جرادات مع المجاهدين محمد جرادات وإياد جرادات فتم اعتقالهم واقتيادهم إلى أقبية التحقيق ليكون ذلك اليوم نهاية رجل شجاع، كان ولا يزال وسيبقى مرفوع الرأس.
وأصدرت ما تسمى المحكمة الصهيونية حكماً بحق القائد أنس جرادات (35) مؤبداً بالإضافة إلى (35) عاماً أخرى، بتهمة الانتماء والعضوية في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وجناحها العسكري سرايا القدس، ومسؤوليته عن أبرز عمليات سرايا القدس، وهي عملية كركور التي نفذها الاستشهاديان محمد حسنين وأشرف الأسمر، وعملية مجدو التي نفذها الاستشهادي حمزة سمودي واللتان أدتا لمقتل 31 جندياً صهيونياً وإصابة العشرات، وهو أحد قادة أسرى حركة الجهاد الإسلامي في سجون الاحتلال، ويقبع في سجن رامون الصحراوي.
أصر الأسير القائد أنس جرادات على بقاء جذوة المقاومة للمحتل الصهيوني حتى في داخل السجون، فحصل على شهادة البكالوريوس في تخصص التاريخ من جامعة الأقصى بغزة، كما حصل على العديد من الشهادات في قضايا ثقافية ودينية مختلفة، ولم يمنعه من ذلك ممارسة العمل التنظيمي حيث استمر في العمل داخل سجون الاحتلال شيئاً فشيئاً إلى أن وصل أن يكون احد أعضاء الهيئة القيادية العليا لحركة الجهاد الإسلامي في سجون العدو الصهيوني.
وحرص القائد أنس في سجنه على نسج العلاقات الاجتماعية والوطنية مع أكبر شريحة ممكنة من الحركة الأسيرة ومن كافة الفصائل التي شاركها في داخل سجون الاحتلال الإضراب الكبير في العام 2017م، ولم يكن ليتوانى عن خدمة إخوانه أو مشاركتهم أفراحهم وأتراحهم، ولذلك ما أن تم عزل القائد أنس في زنازين السجون وسمع خبر مرضه حتى أعلن الجهاد الإسلامي في كافة السجون حالة النفير العام لأبناء الجهاد الإسلامي، وأوصلوا رسالة قوية وشديدة لإدارة السجون بأن أي مساس بالقائد أنس وأي مكروه سيحصل له فإن الجهاد الإسلامي في كل السجون سترد الصاع صاعين، فما كان من إدارة السجون إلا أن تخرج القائد أنس جرادات من العزل وتبدأ في علاجه كما أراد.
ومع كل هذه التضحيات والمعاناة التي مر بها القائد أنس إلا أنها لا تساوي شيئاً أمام الألم والحزن الذي أصابه عندما توفي بتاريخ 18-7-2011م، والده الذي أحبه كثيراً وكان له الفضل في تنشئته النشأة الإيمانية والدينية والوطنية.
ولا يزال وفياً لأهله وعائلته وبلدته ومدينته ووطنه وأمته وأنه لم ولن يساوم على حبة رمل من تراب فلسطين الممزوج بدماء الآباء والأجداد والشهداء والجرحى وعذابات الأسرى.
نسأل الله الفرج القريب عنه وعن جميع الأسرى

