أسرى السرايا/ أشرف نظمي محمد قيسي
أشرف نظمي محمد قيسي
تاريخ الميلاد: الثلاثاء 24 سبتمبر 1985
تاريخ الاعتقال: الجمعة 25 فبراير 2005
المحافظة: باقة الغربية
الحالة الاجتماعية: أعزب
مدة الحكم: (5 مؤبدات + 20 عاماً)
سيرة

الاعلام الحربي _ خاص 

نروي اليوم حكاية أحد الأبطال المجاهدين من سكان الأرض المحتلة عام 1948م؛ تلك الأرض التي حلت بها النكبة والكارثة على يد الغدر الصهيوني والعصابات الإجرامية، في الوقت الذي كان العالم قد خرج من الحرب العالمية الثانية تحت شعار مهم (ولد حيا) وهو مبدأ تقرير المصير حيث ثبت أنه في صراع شعوب العالم الثالث ضـد الاستعمار والاستيطان يكتسب مبدأ تقرير المصير قيمة وأهمية رغم أنه لا يضمن إقامة دولة حديثة ذات مؤسسات حديثة، ولكن من ناحية أخرى عالمية هذا المبدأ حولته إلى أداة دولية للتحرك، مما أدى إلى أن تتجاهل الحركة الصهيونية حق تقرير المصير، واعتمدت على ادعاءات توراتية تاريخية لا تنفي حقوق الفلسطينيين فحسب؛ بل تستبدل تاريخ أرض فلسطين متعدد الحضارات والطبقات، ولذلك قام العدو الصهيوني بشطب طريق الاحتلال لفلسطين عبر دباباته وعصاباته الإجرامية المتمثلة بـ (الهاغانا والليخي والإيتسل) وغيرها، عبر سياسة القتل والتدمير بالمجزرة والمصادرة، بالإضافة إلى احتلال "الأعصاب"، مما يجعل الفلسطيني يفكر أن هذا العدو يسير تحت مسامات جلده ولا يمكن الانفكاك عنه، فكانت تلك الممارسات قد جعلت المواطن الفلسطيني في الأرض المحتلة أكثر وعيا وأكثر عنفوانًا وأكثر رشدًا وإصرارًا على الحرية والخلاص والانعتاق من ظلم الاحتلال.

صمود رغمًا عن أنف اليهود

ومن هنا برزت قصة مجاهدنا البطل أشرف قيسي، وقصة معاناة أهله التـي هاجرت هجرة داخلية في عام 1948م من قرية عرب المفجر بالقرب من قيساريا حتى اضطرت إلى ترك قريتها وترك ما لم يقدروا على حمله معهم، وساروا إلى ثلاثة مناطق وهي كفر قرع والخضيرة وباقة الغربية، وأما عائلة المجاهد أشرف فقد تنقلت من قرية عرب المفجر إلى الخضيرة واستقر بها الحال في بلدة باقة الغربية ولم يكن لهذه العائلة في بداية هجرتها الداخلية سوى أن تفترش الأرض وتلتحف السماء، وضاعف أبناء هذه العائلة من قدراتهم العملية وعملوا بجد واجتهاد في كل مجال من أجل إعالة عائلاتهم وأبنائهم، وتمكنت من الوقوف على قدميها من جديد، ومثلت تحديا صارخا لسياسة المحتل، فصمود هذه العائلة شكل صفعة للمشروع الاستيطاني الاحتلالي، فلم تكن الحاجة إلى المال والطعام والشراب تجعلهم يرضخون ويستسلمون لظروف الاحتلال الصهيوني الجديد للأرض والإنسان، وبدأت هذه العائلة بالامتداد والاتساع والتكاثر.

النشأة

عمل والد المجاهد أشرف إلى جانب التعليم في إحدى الشركات التي تشرف على الحفريات وتزفيت الشوارع ليتمكن من توفير احتياجات عائلته بشرف وكرامة، وليرزقه الله ولده الذكر الأول الذي أسماه أشرف ليكون رمزا للشرف والإباء في قابل الأيام القادمة، فـعـاش هذا الطفــل فترة طويلة في ظل دفء عائلته وأقربائه لينعم بينهم بالحب والأمل والتفاؤل، فكانت طفولته جميلة، ورغم طفولته كان مشاكسًا ودائم الحركة ولا يعرف طعما للهدوء أو النوم أو الراحة، مما جعـل هـذه الصفات ملازمة في حياته وإن حملت في بدايتها معاني سلبية، ومع ذلك تمكن من التربع على عرش قلوب أبناء عائلته والأساتذة والطلبة.

نشأة العلاقة مع سرايا القدس

بدأت حكاية مجاهدنا أشرف الجهادية عندما كان في العام 2005م يعمل لدى أحد سكان باقة الغربية في مجال الحفريات، وإذا به يتعرف هناك على مجموعة من الشباب العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية وبعضهم من مدينة نابلس وطولكرم، وقال أحدهم إنه يملك جرافة ويريد أن يرسلها بأمان إلى طولكرم ويبحث عمن يساعده في هذا الأمر حيث سمع المجاهد أشرف بهذا الكلام وتوجه إليه أحد العمال وقال المجاهد أشرف بأن هناك مـن يمكنه تقديم المساعدة في هذا الأمر، وهو من سكان طولكرم، وأعطاه رقم هاتفه وقرر المجاهد أشرف حينها مساعدة ذلـك الرجل صاحب الجرافة، وبدأ يتصل بصاحب الرقم وكان صاحبه هو أحد قادة سرايا القدس في طولكرم، ولم يكن حينها يعلم بذلك، والتقى به عدة مرات ودار بينهما نقاش وحوار طويل وعميق ، حيث قام المجاهد أشرف بإحضار قطعة سلاح من نوع (M16) وكذلك ذخيرة ونواظير ليلية وغيرها من الأمور المادية واللوجستية إلى أن جاء الدور الهام وهو إيصال استشهادي إلى داخل الأرض المحتلة، وكون المجاهد أشرف من سكان الـ 48 وهو يعلم كل شيء عن الطرقات والشوارع والقرى والبلدات والدخول والخروج يعرف كل شيء عن كافة الأماكن، وأماكن تجمع الصهاينة، ويستطيع أن يختار الهدف الذي يريد بسهولة، مع ذلك حينما عرض عليه هذا الأمر تم رفضه  لعدة مرات لما يترتب عليه مـن عواقب جمة، لكن بعد عدة اجتماعات مع قيادة سرايا القدس في طولكرم، وافق بالنهاية.

أول عملية استشهادية نفذتها مجموعة الشهيد لؤي السعدي

ما أن خرج المجاهد أشرف من مكان العملية، في شاطئ "تل أبيب" حيث الملهى الليلي الذي سيتم استهدافه، حتى أسرع المجاهد عبد الله بدران نحو الهدف الصهيوني متسلحا بإيمانه بالله عز وجل وبعدالة قضيته مؤكدًا لكل الأحرار وشرفاء العالم وللأقلام الحرة والصادقة وللضمائر الحية في كل مكان أن المجاهد الفلسطيني يحب الحياة وينعم بها، كما يحبها الآخرون، ولا يقدس ثقافة الموت ويأخذ من الدنيا ويتزود منها للآخرة، ولكن مع هذا العدو الصهيوني الذي لا يرحم شيخًا ولا طفلا ولا امرأة ولا أما والذي سياسته القتل والهلاك والدمار دون أن يتردد، جعل المجاهد الفلسطيني الذي فقد أرضه وشرد شعبه في كل بقاع العالم، ورج بأبنائه في غياهب

السجون وحُرم أطفاله من أن يعيشوا طفولتهم بحب وسعادة وأمان، أن يبدأ بالعمل الذي يلجم هذا المحتل وهو العمل الاستشهادي، لما له من آثار إيجابية على المقاومة الفلسطينية ومن آثار سلبية على العدو الصهيوني، ومن هنا جاءت تضحية مجاهدنا البطل عبد الله بدران ليثأر لدماء الأطفال والنساء والشيوخ، ليمسح دمعة المسجد الأقصى الحزين ويتقدم نحو الصهاينة بصيحة "الله أكبر" ولسان حاله يقول: "عجلت إليك ربي لترضى"، وفجر نفسه الشريفة وسط جموع الصهاينة ليوقع 5 قتلى وإصابة العشرات، وينتشر هذا الخبر في كل وسائل الإعلام، لتزف سرايا القدس شهيدها البطل عبد الله بدران وابن مدرستها الفكرية والدينية والحركية ليكون الاستشهادي الأول في سلسلة الاستشهاديين الذين أعدتهم مجموعة الشهيد القائد لؤي السعدي لتعيد للقضية الفلسطينية قيمتها وأهميتها على الساحة الإقليمية والدولية والعالمية، وليتلقى المجاهد أشرف رسالة من المجاهدين يستفسرون عن مكان وجوده ليخبرهم بأنه بخير وأن العملية قد تمت، وتسير الأمور كما تم التخطيط لها بلا عوائق تذكر، فما أن جاء اليوم الثاني للعملية حتى جاءت رسالة على جهاز البليفون للمجاهد أشرف نصها صباح الخير مبروك، وهنا كان هذا الاتصال مراقبـا لدى جهاز الشاباك الصهيوني، وهذا الاتصال يعود لرقم المجاهد القائد نضال أبو سعدة أحد قادة سرايا القدس إلا أن هذا الخطأ كان له ثمنًا كبيرًا لا يزال أثره حتى اليوم.

بداية الملاحقة والاعتقال

بدأ الشاباك الصهيوني بتحليل وتخطيط لمعرفة التفاصيل، وما هي إلا ساعتان من الزمن حتى تلقى المجاهد أشرف اتصالا من أحد الجواسيس المعروفين اسمه (غالب)، وهناك قـد أبلغ الجاسوس الشاباك عن أماكن تواجد المجاهد أشرف حيث تقدمـت سيارة صهيونية بيـضاء الـلـون وأخـرى مـن نـوع مرسيدس وينزل منها باقي الجنود والقادة الصهاينة في الوحدة الخاصة، وليتم اعتقال المجاهد أشرف وتفتيش سيارته ليجدوا فيها مسدسا مع كاتم للصوت، وقال لهم حينها المجاهد أشرف إنه لا يعرف شيئًا عن هذا المسدس وأنهم من وضعوه في السيارة، فاقتادوه حينها إلى مركز الشرطة في (عيرون) بين أم الفحم وبلدة عارة في الداخل المحتل، ليبدؤوا بتوجيه الأسئلة إليه،

ومنها أنه قد وصلتك رسالة بها كلمة مبروك فمن أين جاءت هذه الكلمة؟، ومن أرسلها لك؟  وأخذوا منه بصمة للصوت، وتم اقتياده إلى مركز تحقيق بتاح تكفا 42 يوما، حاول خلالها المحققون استخدام كافة الأساليب القمعية والنفسية والجسدية للاندفاع والاعتراف من هذا المجاهد حول العملية، فحاولوا بشتى الطرق ومع ذلـك بقي صامدا، وحاولوا مرارًا وتكرارًا إدخال جواسيس عليه في الزنزانة وقد فشلوا في كل مهماتهم، ليأتي قرار بنقله إلى أحد السجون.

بداية مرحلة جديدة

كان المجاهد أشرف على موعد مع السجن لفترة طويلة بعد أن اعترف "داخل غرف العصافير" بمسؤوليته عن إيصال الاستشهادي إلى موقع العملية حيث حكم عليه بالسجن 5 مؤبدات و20 عاما، ليدخل إلى سجن جلبوع، ويكون العام 2005م عاما مفصليا في حياة المجاهـد أشرف.

كان لابد وأن يقوم المجاهد أشرف بالإقبال على العلم عبر الجلسات العملية والفكرية والثقافية، بالإضافة إلى مشاركته إخوانه الأسرى في إضراب عام 2012م والذي استمر لمدة 28 يوما، وكذلك إضراب عام 2017م الذي استم 42يوما، وحتى كتابتنا لهذه الكلمات فإنـه كـما بـدأ حياته مشاكسا في طفولته دائم الحركة تراه في السجن كثير الحركة دائم اللعب للرياضة مفعما بالأمل والحيوية والنشاط، ترى في وجهه ابتسامة لطيفة تعبر عن طهر قلب ومساحة الحب تجاه إخوانه، ودائم الحديث عن عائلته وأمه وأبيه وإخوانه وأخواته ويحفظ ويردد أسماء الأبناء الصغار لإخوته، وتراه يفكـر دوما كيف ينسج معهم علاقة قوية، وكيف يفهمهم؟ وأين يوجد؟ ولماذا سجن؟ وأحيانا تراه يفكر بما يفكر فيه كل أسير، بل يحلم بما يحلم بـه كل الأسرى حول الحرية والانعتاق من سجون الظلم، ليجد نفسه لا يزال بين أربعة جدران تحيط به الأسوار العالية والأسلاك الشائكة، ومع ذلك كلما حنّ إلى أمه وعائلته يلجأ إلى ألبوم الصور ليعيد تنشيط ذاكرته و اشباع نظراته برؤية صور عائلته وأبنائهم، وكلما اشتاق إلى بلده يذهب إلى خارطة فلسطين المرسومة في خلايا دماغه ليستحضر صورة بلدته وشوارعها وأرضها ومدارسها وأهلها، وكل ذلك جعل منه مجاهدا مؤمنًا حقا بأن من يتق الله يجعل له مخرجا، وتراه دائم الذكر والتسبيح والعبادة وتلاوة القرآن وآملا بأن الغد قادم ويحمل بين ساعاته الفرج والحرية للأسرى والمسرى، فهل يتحقق ذلك في المنظور القريب ؟!.

نسأل الله الفرج القريب عنه وعن جميع الأسرى