الإعلام الحربي _ خاص
حكايتنا اليوم عن رجل مجاهد ورائد من رواد المقاومة الفلسطينية في الأرض المحتلة عام 1948م وواحد من المجاهدين الذين غرسوا جذورهم في تراب المدن والقرى الفلسطينية دفاعا عن الشعب والأرض فكان كالمارد الهادئ، ولكنه الهدوء الرزين الذي يسبق العاصفة لتسمع كلامه كأنه الرعد ينطق بالحق ويدافع عنه وينتصر للمظلومين ويتصدى لكل معتد، ولا يغضب إلا من أجل الله، فأتاه الله بسطة في الجسم استعملها في إحياء الفريضة (الجهاد) التي أماتها وغيبها كثير من الناس، مما سهل على العدو اقتلاع الشعب من أرضه وارتكاب المجازر بحقه. وبالرغم من قوة بأسه ترى قلبه يرق تجاه المظلومين والضعفاء والأتقياء والأنقياء، ويحنو عليهم كحنو الأب على أطفاله، وهو باختصار مثال للصدق والتفاني والأمانة وصلابة الموقف وشجاعة الحق في مواجهة الباطل، إنه المجاهد الكبير إبراهيم حسن إغبارية (أبو جهاد).
الطفولة والنشأة
يعتبر الأسير المجاهد إبراهيم إغبارية هو الثاني من بين إخوته، تلك العائلة متوسطة الحال من عائلة إغبارية حيث ولد بتاريخ 1965/02/19م، هذا العام الذي شهد قوة وعنجهية وغطرسة المحتل الذي كان يفرض قانون الحكم العسكري على أراضينا المحتلة عام 1948م، ويضيق عليهم سبل العيش والحياة ويمنعهم من التواصل حتى مع إخوانهم من الضفة وغزة ومحيطهم العربي والإنساني، فكانت القبضة الأمنية تشتد وطأتها على سكان الداخل المحتل، مما جعل المجاهد إبراهيم يفتح عينيه على النضال منذ نعومة أظفاره على مأساة وطنه فلسطين، تلك المأساة التي اضطرته أن يحيا حياة الألم والمعاناة وهو في سن الطفولة المبكرة، ولكنه لم يستسلم لظروف المأساة، وتعلم كباقي أبناء فلسطين تحت وطأة الاحتلال وبدعم من عائلته المحبة للعلم فكان من الطلبة المتفوقين والأذكياء في دراستهم، وكان يلقب وهو صغير بالبليغ البارع؛ لأنه كان الأول في معظم المــواد وخاصة مادة اللغــة الإنجليزية وقواعد اللغة العربية والرياضيات، وكان محل اهتمام كبير من قبل المدرسين والطلبة؛ لطبيعة شخصيته القوية حيث لم يكن يتجاوز اثني عشر عاما من عمره حتى العام 1976م في يوم الأرض الخالد حيث دفع طلبة المدرسة للتوقف عن الدراسة والمشاركة في فعاليات هذا اليوم التاريخي.
تبلور الهوية الوطنية
تبعا لنشأته فإن لأسرته ذات الاهتمام بالقضايا الوطنية والدينية وإسهام الظروف السياسية التي مر بها وطنه فلسطين في تغذيتـه للروح الوطنية والثورية والدينية؛ متأثرًا لحد كبير بالثورة الإسلامية في إيران وبالمد الإسلامي الثوري، كما لعائلته من أمه الفضل الكبير في تأسيس وتدعيم الحركة الإسلامية في أم الفحم، ولذلك سكن عقل وروح المجاهد إبراهيم حلم إقامة الدولة الإسلامية وتحرير فلسطين على يد جيش إسلامي كبير يعزز ذلك إليه حب الإسلام والعمل على نصرته بـأي ثمن لاسيما أنه بالأصل ومنذ أن بلغ عمره ستة عشر عاما التزم بالصلاة والعبادة وارتياد المساجد.
مرحلة التعرف على المجموعة
بينما كان المجاهد إبراهيم في عمله في أحد المحلات التابعة له وإذا به قد وجد حقيبة فيها بعض الأغراض كالسلاح الأبيض، وبدأ يراقب من يقف خلفها ولماذا وكيف وصلت هذه الحقيبة إلى هنا؟! وعلم بعد المتابعة عن هذه الحقيبـة وما بداخلها أنها تعود لأخيه المجاهد محمد إغبارية وأصحابه يحيى وأبو إياد جبارين، وعلم حينها ماذا يفعلون وقرر الانضمام إليهم، وبدأ مشواره الجهادي والفعلي إلى جانبهم رغم أن له امتدادًا وتعاطفا جهاديًا سابقا مع حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وتعززت لديه فكرة الجهاد الإسلامي، وبدأ نشاطه مع هذه المجموعة الربانية.
التعاطف مع الجهاد الإسلامي
رأى المجاهدون الأربعة في الجهاد الإسلامي التنظيم الأكثر قربا لقلوبهم وأفكارهم، والأكثر وضوحًا في مبادئه وفي مشروعه الثوري، كما أن الجهاد الإسلامي كان ولا يزال وسيبقى يعبر عن هوية إسلامية تلهب المشاعر وتحقق الآمال للشعوب، ويتطلع إلى إقامة الدولة الإسلامية وتحرير فلسطين، ولا يكون ذلك إلا بالعمل على شعار مهم وهو خصوصية الجهاد وعالمية الدعوة، وبعد نقاش وحوار طويل ومعمق بين أفراد المجموعة الجهادية قرر أن يتم البدء في العمل الجاد والبحث عن وسائل وأدوات جهادية قتالية من أجل تنفيذ عملية عسكرية ونوعية ضد العدو، وأن هذه الفترة بالفعل بحاجة ماسة لمن يقوم بعمليات عسكرية نوعية لرفع الروح المعنوية للمقاومة الفلسطينية التي كانت في العام 1992م بدأت تخبو شيئًا فشيئًا؛ الصعوبة الظروف الإقليمية والدولية وآثارها السلبية على القضية الفلسطينية حيث حصلت عدة أحداث خطيرة أثرت سلبًا على الثورة الفلسطينية، ومنها ما حدث في لبنان وانسحاب المقاومة الفلسطينية من بيروت إلى عواصم الدول العربية، فجاءت انتفاضة العام 1987م رفعة للمقاومة الفلسطينية حيث تم استغلالها من قبل الراحل ياسر عرفات وبقية القيادة الفلسطينية، وفي نفس الوقت أصبح العدو في مأزق حقيقي أمام العالم نتيجة قمعه الوحشي للمتظاهرين السلميين الفلسطينيين.
اختيار المعسكر كهدف
بدأ المجاهدون الأربعة محمد جبارين (أبو إياد) ويحيى اغبارية (أبو جامع) ومحمد اغبارية (أبو عبد الله ) وإبراهيم اغبارية (أبو جهاد) البحث عن هدف صهيوني ضعيف وغير محصن، سواء كان ذلك موقعا أو جنودًا عبر خطف السلاح من أيديهم، وفي نفس الوقت كان سعيهم لا يستهدف المدنيين رغم أن المجتمع الصهيوني كلهم مقاتلون وكلهم جنود، وأي جيش في العالم يكرس نفسه في خدمة الدولة إلا أن الأمر في الكيان الصهيوني يختلف من حيث إن الدولة كلها تكرس من أجل خدمة الكيان الصهيوني، وما إن تمت كل محاولات الاستطلاع تبين أنه لا يوجـد هـدف عسكري سهل المنال، وذهب المجاهدون لاستطلاع معسكر جلعاد وتم أكثر من مرة التوجه إلى منطقة المعسكر ومحيطه لجمع المعلومات المطلوبة حوله، وتحركات الجنود وكيف يدخلون؟ ومن أين يخرجون؟ وكم يكون عددهم؟ وما هي التحصينات المحيطة بالمعسكر؟ وبعد تسجيل كافة التفاصيل المطلوبة تم نقاشها داخل المجموعة لوضع الخطة المناسبة، وتم إعطاء كل فرد في هذه المجموعة مهمة خاصة، وتم الاتفاق على مسألة مهمة وهو أن الهدف هو الحصول على السلاح، وإن حدث صدام أو عراك مع الجنود يجب قتلهم والاستيلاء على سلاحهم، ثم الانسحاب إلى المكان الآمن وفق الخطة المرسومة، وقرروا تعيين موعد للعملية عندما تكون الأمور كلها جاهزة.
الإعداد للعملية
من أجل تنفيذ هذه العمليات لابد مـن التحضير الجيد للأدوات المستخدمة، وتوجه حينها المجاهد أبو جهاد وقام بشراء كل ما يلزم من أدوات وأغراض للمطاردة إن حدثت مثل كيس للنوم وكشاف ليلي وأحذية ومنظار ليلي وحقيبة ظهر وعدة أمور أخرى، وأصبحت الخطة وأدواتها جاهزة من أجل البدء في العملية لاقتحام معسكر جلعاد حيث كان اعتقاد وتوجه المجموعة الجهادية التي أسمت نفسها (أحباب محمد) إيجاد كهف للإيواء فيه عبارة عن مغارة وعدم العودة إلى بلدتهم بعد العملية، وتم إطلاق مسمى هذه الحالة وهو النفير العام أي استمرار الجهاد والقتال، إما النصر وإما الشهادة.
يوم العملية، ليلة الجمعة
تحركت المجموعة الجهادية يوم الخميس ليلة الجمعة، حيث وضعوا أمتعتهم وعتادهم في داخل سيارة من نوع بيجو، وقاد السيارة المجاهد أبو جهاد، وتوجه الأبطال إلى الجبال التي تبعد عن المعسكر مسافة 5 كيلومترا على الأقل، وكانوا يعلمون سابقا أن في هذه الجبال يوجد كهف، وتم إنزال عدتهم وعتادهم من السيارة ووضعوها في الحقائب الشخصية، وتوجهوا نحو الكهف، بينما المجاهد أبو جهاد عاد بالسيارة إلى بلدته ووضعها في مدخل البلدة؛ ليتصرفوا بها في حال احتاجوا إليها، لكن عاد المجاهدون وباتوا في بيوتهم وذهبوا إلى صلاة الجمعة ومن بعدها توجهوا إلى الكهف، وكان وصولهم عند وقت العصر، تناولوا عدة القتال وتقدموا نحو التلة التي تطل على المعسكر، وبدأ المجاهدون ينتظرون حلول الظلام، وكانوا يراقبون التحركات في المعسكر كأن كل شيء أمامهم كصفحة من كتاب وكان الانتظار صعبًا، فكانوا بين الحين والآخر يتجولون في المكان، أما الطقس فكان باردًا جدا لاسيما وأنها أثلجت قبل 10 أيام من العملية، وسميت تلك السنة سنة الثلجة، وصلى المجاهدون المغرب وبدؤوا يذكرون الله ويسبحونه ويحمدونه إلى حين موعد الانطلاق نحو المعسكر، وبعد أن اجتازوا كافة العوائق وتسللوا للمعسكر، قاموا بالاشتباك مع جنود العدو لدرجة المواجهة بالأيدي وخاضوا معركة مشرفة حيث تمكن كل مجاهد من الاستيلاء على بندقية "M16"، وثلاثة قتلى حسب اعتراف العدو، وانسحبوا من المكان بسلام.
الاعتقال
بعد أن قام المجاهدون بتغيير مكان السلاح ونقله لبيت أبو جهاد، حيث كانوا مراقبين من قبل أحد الجواسيس، وعند منتصف الليل وقبل أن ينام المجاهد أبو جهاد إذا بصوت أرجل وسلاح وسيارات جيش وشرطة صهيونية تمر بجانب البيت؛ لأن بيته يقع على الشارع الرئيسي، ففتح المجاهد أبو جهاد الشباك فإذا بعشرات الجنود والآليات العسكرية محيطة بالمنزل، وصرخ أحد الجنود أو الضباط أغلق الشباك، وقال للجنود إنه في الغرفة الوسطى، فأيقن المجاهد أبو جهاد أن الأمر قد كشف، فأيقظ زوجته وقال لها إنه يوجد اقتحام للبيت، وتم تفجير باب البيت، واقتحموا البيت بشكل عنيف وهمجي وأشهروا السلاح في وجه المجاهد أبو جهاد، ولم يشعر بأي خوف، وكان سلاح وعصي في انتظار المجاهد أبو جهاد، وبكل رباطة جأش صاح بالجنود وقال لهم كيف تدخلون بهذه الهمجية، وصرخ الجنود في وجهه ارفع يديك ولا تتحرك، وتم إدخاله إلى داخل الغرفة وتقييد يديه بسلك المسجل، وكان ضابط الشاباك الصهيوني قد وصل إلى المنزل، وبدأ يطرح الأسئلة على المجاهد أبو جهاد، وما كان من المجاهد أبو جهاد إلا أن ابتسم في وجه ضابط الشاباك، وبعد تفتيش دقيق داخل المنزل وصلوا للسلاح حيث ادعى أبو جهاد أنه يعود للفهد الأسود ولا علاقة لهم به.
مرحلة العصافير
بعد فشل معظم محاولات الشاباك الصهيوني للاعتراف من قبل المجاهد أبو جهاد اضطر الشاباك إلى إرساله إلى قسم العصافير (الجواسيس)؛ لنزع الاعتراف من قبل المجاهد أبو جهاد حيث تم إرساله إلى قسم عصافير مدينة القدس، وأوهمه جهاز الشاباك أنهم قد أرسلوه إلى المركز العام الشرطة القدس لكي يتأكدوا من أقواله وبصماته. وما أن دخل إلى قسم العصافير حتى جلس معه مسئول العصافير وعرفه عن نفسه أنه أبو محمد، وكان حينها المجاهد أبو جهاد صائما في شهر رمضان من العام 1992م، فما إن جاء موعد أذان المغرب حتى تقدم أحد العصافير ليصلي بهم صلاة المغرب فلم يقرأ جهرا، فعلم المجاهد إبراهيم أن هؤلاء هم جواسيس مما زاد من شكوكه، وبدأ مسئول العصافير يطرح عليه الأسئلة لمحاولة الحصول على معلومات، لكن دون جدوى، ثم تم إعادته إلى التحقيق لمدة أسبوعين آخرين في الجلمة ثم تمت إدانته كما ذكرنا سابقا، وإرساله إلى عزل الرملة.
مرحلة السجن
تم نقل المجاهد أبو جهاد بعد أن مكث في أقبية التحقيق لمدة شهرين ونصف إلى سجن الرملة قسم العزل الانفرادي ليكون إلى جانبه في ذلك القسم أبطال الجهاد الإسلامي وأصحاب العمليات النوعية ضد العدو الصهيوني مع المجاهدين الأسير المحرر ياسر داوود من سكان القدس، والشيخ صلاح شحادة ومحمد أبــو جلالة وتوفيق أبو نعيم وعبد الهادي غنيم والعديد من الأسرى المعزولين وحاول في أول ثلاثة أيام في العزل الانفرادي طعن سجان صهيوني بسكين مصنع يدويًا، وأحدثت إشكالية كبيرة وتم قمع الأسرى ونقلهم إلى قسم آخر في عزل الرملة، وكان في الغرفة التي تقابله الشيخ صلاح شحادة وبقي في العزل لمدة عام وبضعة أيام إلى أن بدأ الإضراب المفتوح عن الطعام
عام 1992م، حيث رأى المجاهد أبو جهاد في المنام أنه سينتقل إلى سجن آخر وهو سجن عسقلان وهذا ما حدث معه فعلا، وتم نقلهم جميعا من العزل الانفرادي إلى السجون، ولم يكن هذا الإضراب الأخير للمجاهد أبو جهاد وإنما تبعه الإضراب عام1995م، 1996م حيث كان إضرابا سياسيا خاضه قادة وكوادر حركة فتح، وكذلك فصائل م.ت.ف احتجاجًا على السلطة الوطنية الوليد التي تركتهم في السجون بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993م. وشارك أبطال الجهاد الإسلامي إخوانهم في هذا الإضراب واستمر نحو أسبوعين، وكان ذلك في سجن بئر السبع، أما في عام 2000م فقد خاض اضرابًا مفتوحًا عن الطعام دعما للأسرى في سجن هداريم، أما في عام 2004م فكان هناك إضراب عن الطعام قبل الإضراب العام بعدة أسابيع، وكان في سجن هداريم واستمر 13 يوما، وكان له حينها يومان، وكان هدف الإضراب هو عدم إدخال الطعام لهم من فتحة صغيرة من أسفل باب الغرفة وإنما المطلوب فتح الباب وإدخال الطعام، ويتم التعامل مع الأسير كإنسان وليس كشيء آخر.
الإضراب التاريخي عام 2004م بعد أن فشلت الحركة الأسيرة في الحصول على طلباتها من مصلحة السجون قررت قيادة الحركة الأسيرة خوض الإضراب في كل سجون الاحتلال من شماله إلى جنوبه، وكان المجاهد أبو جهاد أحد قادة هذا الإضراب ممثلا عن الجهاد الإسلامي في سجن هداريم، واستمر الاضراب في هداريم 18 يوما إلا أن شيئًا لم يتحقق من مطالب الأسرى لأسباب كثيرة.
لقد كان المجاهد أبو جهاد داخل السجون شعلة من العمل والعطاء اللامحدود في دفاعه عن حقوقه وحقوق إخوانه الأسرى، فلم يخضع للسجن ولا السجان الذي حاول طعنه في أول أيام له في العزل الانفرادي، وحاول عبر إضراباته المتعددة أن يثبت أن كل ممارسات مصلحة السجون وضباطها لن تثنيه عن مواصلة درب الصادقين في مواجهة العدو الصهيوني.
مرحلة العلم والتعليم
تمكن المجاهد أبو جهاد من اليوم الأول في السجن بالعمل على صقل شخصيته في العلم والتعلم وطرق الأبواب وفتح الكتب ونفض عنها الغبار، وبدأ الاهتمام بنفسه فكريًا وثقافيا والحصول على الكثير من الدورات الثقافية في مجالات شتى، وبعضها كان متقدمًا مثل التنمية البشرية، بالإضافة إلى دراسته في الجامعة العبرية بكالوريوس علاقات دولية والذي بقي عليه فصل واحد من الانتهاء منه حتى قام العدو بحرمانه من التعليم، فما كان منه إلا القيام بإعطاء العديد من الدورات الثقافية والدينية ومراسلة الجمهور العربي في الداخل المحتل عبر كتابته على الفيسبوك، وكان سلاح العلم الذهني والبدني يخرج من حيز المكان الضيق والمغلق إلى عالم أكثر اتساعا وأكثر فرحًا وأملًا، ومع ذلك كان وما زال يحن إلى بلدته ووطنه وإلى صدر أمه وإلى كل ذرة رمل في ذلك المكان الذي ولد فيه، وكلما اشتاق أكثر ذهب مسرعا إلى تلك الخارطة المرسومة في ذاكرته ليخرج منها صورًا وأحداثًا وذكريات منها ما هو مفرح وما هو محزن.
أهم المحطات المفرحة والمؤلمة
إن أهم المحطات في حياة الأسير أبو جهاد هي استشهاد الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي (أبو إبراهيم)، ولاسيما أن المجاهد أبو جهاد عشق فكرة حركة الجهاد الإسلامي وأهدافها ومنطلقاتها وأدبياتها، عندما كان له امتداد وتواصل مع هذه الحركة الربانية، فما أن سمع باستشهاد الدكتور أبو إبراهيم حتى حزن عليه طويلا، لم ينته هذا الحزن والألم ليأتي خبر وفاة أخيه الكبير محمود في تاريخ 2012/01/05م وكان عمره حينها 51 عاما، متزوج ولديه أبناء، وكان هذا المصاب صعبًا ولا يطاق، ولكن التزام المؤمن لا تهمه النوائب طالما كل ما يحدث للإنسان قدر الله -عز وجل- فعلى المؤمن أن يحمد الله -عز وجل- على السراء والضراء، وأن يصبر ويصطبر؛ لأن الأجر على ذلك عظيم جدا كيف لا والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابِ) [الزمر: 10]، فلم تمض إلا سنوات معدودة بعد هذا المصاب حتى جاءه خبر وفاة والده بتاريخ 2016/04/28م، فأي مصيبة هذه التي يستطيع المجاهد أبو جهاد أن يصبر عليها، لا يستطيع ما يفعله سوى قوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) [البقرة: 156].
هذه هي سنة الحياة فرح وسرور وألم وحزن وشجون، وعلى المسلم أن يتحمل كل ما يحدث له، ويحتسب ذلك عند الله -عز وجل-، فالصبر الذي صبره المجاهد أبو جهاد والذي أمضى حتى الآن29 عاما في سجون الاحتلال لا يكافأ إلا بالعمل على إطلاق سراحه في صفقة مشرفة تعيده إلى بلدته مشيرفة، معززا ومكرما، يجتمع مع الأهل والأحبة بعد طول غياب. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قريبا﴾ [الإسراء: 51].
نسأل الله الفرج القريب عنه وعن جميع الأسرى

