الإعلام الحربي _ خاص
نقف اليوم للحديث عن رجـل مـن أراضينـا المحتلة عام 1948م، انسلخ من عمره الغالي أجمل ما فيه خلف قضبان الأسر، ولكنه جعل منهـا أمـلا كان وما زال يحلم بأن يرى جيلًا جديدًا يخلّد من أشعلوا الفتيل، جيلًا يُقدّس الماضي الذي يعتبر الحاضر امتدادا له، فهو رجل لا يمكن لأحد أن يدرك عمقه وحقيقته إلا من عرفه عن قرب، فهو لا يحب الأضواء ولا يسعى وراء الظهور والشهرة ويعمل بصمت عجيبه؛ متألقا في عطائه ويشعر بحاجة الناس ولا يتردد في إغاثة الملهوف ويــداه مبسوطتان ينفق على من يشاء بقدر استطاعته، فهو كريم النفس، أبي الروح، طيب المعشر حسن الخلق، لين الجانب مع أصحاب القلوب الصافية، مبادر يتقدم على الآخرين بعطائه، وينافسهم على الخير وخدمة الناس عملا بسنة الحبيب محمد - صلى الله عليه وسلم - : "إن الله تعالى عبادًا اخْتَصَّهُم بِحَوائِجِ الناسِ، يَفْزَعُ الناس إليهم في حَوَائِجِهِم، أولئكَ الآمِنُونَ من عذاب الله".
الميلاد والنشأة
ولد بتاريخ 1968/01/31م وسط أسرة بسيطة تشيع فيها العصامية ودفء الحنان ورقة المشاعر، فوالده كان مزارعا يملك أرضًا يُشرف عليها بنفسه يتعهدها ويزرعها، فورث من والده حسن إغبارية حب الأرض وفلاحتها مما جعله يعي تراه تتجلى فيه قوة الإنسانية وروحها التي تعطي الحياة معناها وتوازنها وتحميها من قوى الشر والفساد، فتراه قد تمرد على الواقع الذي فرضه الاحتلال على شعبنا في الداخل الفلسطيني باستهداف كل مناحي الحياة.
لذلك قد فتح المجاهد عينيه على النضال منذ نعومة أظفاره عـلـى تـلـك المأساة، وهي مأساة الشعب الفلسطيني التي جعلت العديـد مـن العائلات الفلسطينية مشردة بأصقاع الأرض، فما كان من هذا المجاهد وهو لا يزال طفلا بعمر الورد إلا أن يسير إلى جانب أبيه بالاهتمام بالأرض وزراعتها ليعيش كما باقي الأطفال في تسلق الأشجار وقطف الأزهار وملاحقة الفراش مما جعله يكثر من التأمل المصحوب بالصمت على الرغم من أن واقع الحياة التعليمية الفلسطيني في داخل الأراضي المحتلة عام 1948م كان صعبا ومؤلمـا جـدا، وذلك لعدم وجـود قرار حقيقي لدى الحكومات الصهيونية المتعاقبة بالعمل الجاد للارتقاء بالواقع التعليمي لــدى العرب ولاسيما بعد فترة من الحكم العسكري في ستينيات القرن الماضي.
التفوق في الدراسة
بدأ الوعي يتطور شيئًا فشيئًا لدى أسيرنا المجاهد محمد، ولما بلغ المرحلة الإعدادية لم يكن في بلدته مشيرفة مدرسة إعدادية مما جعله ينتقل إلى مدرسة أخرى في بلدة كفر قرع، ورغم نظراتهم لهم كغرباء إلا أن ذلك لم يؤثر على محبته واحترامه لهم ولتلك البلدة، وفي هذه البلدة. وفي مدرسته تم اعتقاله الأول في العام 1982م، ومن ثم انتقل للمرحلة الثانوية في مدرسة الثانوية الشاملة فرع الإلكترونيكا في الفوج الثاني في بلدة أم الفحم، وقد نجح وتفوّق والتحـق بكلية بيت سيفرد (معهد للهندسة) لمدة سنتين بالإضافة لسنة تربية بنفس المعهد ومن ثــم تــم توظيفه في المدرسة الثانوية الشاملة في أم الفحم التي تخرّج منها ليعمل فيها مدرسًا حيث كان فيها تلميذا، ولمدة أقل من سنة أصبح قادرًا على الزواج في شهر 8 من العام 1991م.
انتفاضة عام 1987م
عاش المجاهد محمد حالة الإجحاف والظلم والعنصرية التي يتعرض لها المواطن الفلسطيني في الداخل المحتل، وكان لانتفاضة الحجارة عام1987م أثرها البالغ على تشكل الهوية الوطنية لديه حيث كان يتابع أحداثها عن كثب مما يتعرض له أطفال الحجارة عبر تكسير العظام واستخدام القوة المفرطة التي يمارسها العدو الصهيوني برئاسة الهالك إسحاق رابين مما أثر على عواطفه وتعاطفه مع شعبه في الضفة والقدس المحتلة وقطاع غزة، فغدى لديه الرغبة في عمل شيء ما لنصرة شعبه وقضيته ليكون ذلك تحديا للاحتلال الصهيوني لاسيما أن الرئيس الصهيوني حاييم هر تصوغ حذر العرب الذين تضامنوا مع إخوانهم في انتفاضة 1987م من فصل آخـر مـن المأساة الفلسطينية وهو تهديد ضمني بطردهم، أما المجرم الصهيوني إسحاق رابـيـن فقـد حذر عـرب الـ 48 قائلا لهم: "لقد عرفتم وشاهدتم المأساة في الماضي البعيد، وسيكون من الأفضل لكـم عدم العودة إلى تلك المأساة"، في تصريح ضمني بمعنى أنــه عازم على القضاء على أي شيء يهدد الأمن الصهيوني.
فكرة العمل الجهادي
لقد اعتقد المجاهد محمد بأنه بعملية جهادية ضد المحتل ممكن لها أن تغير شيئًا مما يتعرض له الشعب الفلسطيني من عنجهية الاحتلال والمجازر وتشكلت الخلية النواة الأولى) بداية من المجاهد يحيى مصطفى إغبارية (أبو جامع) صاحب فكرة الجهاد، وكان المجاهد محمد حسن إغبارية معه، ثم انضم إليهم اثنان آخران وهما شقيقه إبراهيم إغبارية (أبو جهاد ومحمد توفيق جبارين "أبـو إياد") من أم الفحم وجميعهـم محكومون بالمؤبدات، وفي البداية كانوا في حيرة من أمرهم ماذا يصنعوا وتحيّروا ماذا سيكون شكل العملية.
عملية معسكر جلعاد البطولية
قامت المجموعة المجاهدة برصد المعسكر بدقة متناهية، وكان الجنود يغادرون المعسكر يوم الجمعة في إجازة، ويبقى عدد قليل من الحراس، وكان هدفهم ليس القتل وإنما جمع السلاح ليشكل لهم العتاد لمواصلة مسيرتهم، وما أن تهيأت الفرصة المناسبة حتى قاموا باقتحام المعسكر وهجموا على الحارس الذي فرّ للخيمة المتواجد بها الجنود فكان سلاحهم هو السكاكين والبلطات والمناجل وشاعوب (الدقران)، ومن ثم اقتحموا خيمة الجنود التي فر إليها الحارس واشتبك كل واحد منهم مع جندي، وقد شاهدوا جنديا ترتعد فرائصه ولا يستطيع التدخل من شدة الهلع والرعب والصدمة التي أصابته بسبب مباغتة المجاهديـن مـن المعسكر، وقد دافع المجاهد محمد إغبارية (أبو عبد الله ) عن نفسه حينما هاجمه جندي بسلاحه حتى انحنت السكاكين، لكن دون أن يصاب بأذى، وألقى السكين أرضًا وعاد أدراجه مرة أخرى للبحث عن سلاح آخر ليدافع به عن نفسه، ووجد بلطة ملطخة بالدماء أثناء الاعتراك مع العدو فالتفت حينها إلى الخلف وإذ بثلاثة جنود مجندلين وجندي آخر مصاب بجروح خطيرة، وقد شرعوا بجمع سلاح الجنود واستغرق وقت العملية أكثر من ثلاث إلى خمس دقائق، وعند الاستعداد للخروج من الخيمة على إثر الصراخ الذي سمعه، قام أحد المجاهدين برفع باب الخيمة والثاني سدد له طعنة قاتلة مات على إثرها، وكان هذا الضابط من بين الثلاثة جنود المجندلين، وتم الاستيلاء على سلاحه من نوع جاليلو بالإضافة إلى الاستيلاء على ثلاث قطع أخرى من نوع (M16)، وأصيب أثناء هذه العملية المجاهد محمد جبارين (أبو إياد) في ظهره، وكذلك المجاهد إبراهيم إغبارية في أصبعه أثناء الاشتباك بالسلاح الأبيض.
الاعتقال
بعد اثني عشر يوما أي في تاريخ 1992/02/26م تم اعتقال الشقيقين المجاهدين محمد وإبراهيم إغبارية فقد اقتحمت قوات كبيرة منزلهما، وقامت بالعبث في محتوياته وتخريبه والاعتداء عليهم بالضرب المبرح، ومن ثم تم اعتقال المجاهدين يحيى إغبارية ومحمد جبارين في تاريخ 1992/03/03م، وتعرّضا لما تعرّض له أبناء جلدتهم من قبل، واستمر التحقيق معهما أقـل مـن شـهـر بـقـلـيـل، وتعرضا لأشد أنواع العذاب الجسدي والنفسي، حيث حكم عليه ب 3مؤبدات و 15 عاما، وتعرض المجاهد إبراهيم للشبح في الشتاء القارص، وتم ضرب المجاهد محمد على رأسه في الحائط إلى أن نزفت الدماء، ليجدا أنفسهما بعد التحقيق الإجرامي معهما فيما يسمى بسجن نیتسان (الرملة) الذي يفتقر لأدنى مقومات الحياة الإنسانية، ومكثا فيـه مدة عام و 15 يوما؛ ليأتي ذلك الإضراب التاريخي في العام 1992م لينهي معاناة هذين البطلين ويتم إخراجهما من العزل في بداية العام 1993م إلى سجن نفحة الصحراوي، وكانا قد شاركا هذا الإضراب بشكل إسنادي ولمدة 8 أيام، وكان هذا العزل الانفرادي هو الأصعب في حياة الأسرى.
مرحلة السجن
لقد أدرك الأسير المجاهد محمد إغبارية من اللحظة الأولى وكما باقي الأسرى خطورة مخططات وأهداف العدو المتمثلة في قمع الأسير الفلسطيني جسديًا ونفسيا وشل قدراته الجسمانية والعقلانية عبر كي الوعي حتى يدرك أنه لا مجال لمواجهة المحتل وأنه يجب عليه الانصياع والاستسلام للمحتل عبر ما لإدارة السجون وأن كل ما هـو مطلوب منه هو تناول الطعام والشراب وانتظار الموت، ولهذا فقد بادر مجاهدنا محمد إغبارية بعد وقت قصير من اعتقاله للنضال من أجل الارتقاء بالعمل الذهني والنفسي ليكون سلاحه في مواجهة المخططات الصهيونية.
فعكف على دراسة العلم الشرعي وبشكل ممنهج، وعمل على حفظ وفهم آيات الرحمن، ثم بعد فترة من انتسب إلى الجامعة العبرية، وخلال تسع سنوات من العام 1996م إلى العام 2005م استطاع المجاهد محمد الحصول على بكالوريوس العلوم الإنسانية والاجتماعية والماجستير في الدراسات الديمقراطية.
ولشدة تعطشه إلى اللغة استطاع بجهوده الكبيرة تحقيق أهدافه عبر التأليف ليحقق تميزا ونجاحا باهرا تحقق بما يلي:
1. فقد ألف الرواية الأولى بعنوان رحلة حكيم في سجن السبع في العام 2007م.
2 ألف كتاب خواطر مع شعر شعبي بعنوان لمعات في عتم الزنازين في العام 2008م.
3 ألف الرواية الثانية قناديل لا تنطفئ في العام2012م.
4 ألف الكتاب الرابع بعنوان ولدي يكتب من وراء القضبان.
5 ألف كتاب تأملات في كرامة الإنسان.
نسأل الله الفرج القريب عنه وعن جميع الأسرى

