الإعلام الحربي _ خاص
تامر جعار مقاوم أشم، متقد شجاعة، برز في مجموعات الشهيد القائد لؤي السعدي طليعة المقاومة الوطنية والإسلامية في فترة أصابها شيء من الفتور والتراجع، بسبب الحملات العسكرية الصهيونية المكثفة وعمليات الاغتيالات والاعتقالات المتواصلة، فنهض رجال من سرايا القدس هجروا الدنيا وعشقوا الشهادة بعد أن نضج إيمانهم وحسّهم الوطني، فحققوا توازنا للرعب وسلاحًا للردع بأدائهم الجهـادي النوعي والمتميز، في موجة عمليات نوعية وجريئة امتدت من شمال الضفة الغربية إلى أقصى جنوبها، وطالت قلب فلسطين المحتلة عام 1948م.
طفولة بنكهة الوطن
ولد المجاهد تامر بتاريخ 1981/11/13م، وعاش طفولته في كنف أسرة جعلت جل اهتمامها لغرس القيم والمبادئ السامية والمثل العليا في نفوس أبنائها، ورسخت فيهم سلوكيات سوية تعكس خلق الانسان المسلم النافع لدينه وأهله ووطنه، حتى خرج من المدرسة كي يتحدى عراك الحياة ويساعد والده المسن ويعين عائلته على متطلبات تلك المرحلة الصعبة التي مروا بها، فبدأ يعمل بتفان في مجال الزراعة في سهل علّار، واستمر في ذلك قرابة عامين، ثم عمـل على تطوير ذاته بالالتحاق بمدرسة التدريب المهني في طولكرم، وتخصص في مهنة ميكانيكي سيارات لمدة عام، وحصل على شهادة متقدمة في هذا المجال عام 2001 م، ثم بدأ يعمل في الكراجات من أجل تعزيز خبرته العملية وإتقان مهنته بشكل أفضل وتطوير قدراته حتى تمكن من الاعتماد على ذاته في إدارة مشروع في مجال تخصصه، ونظرا للظروف السياسية التي حكمت تلك المرحلة، وكبلت الشعب الفلسطيني بالكثير من القيود إلا أن المجاهد ثامر لم يسلم بالأمر الواقع، وبقيت فلسطين حاضرة في ذاكرته، وتسكن قلبه ودائمة الذكر على لسانه.
الاعتقال الأول
في 13/ 09/ 2002م كان الاحتلال يتربص للإيقاع به بين أنياب الأسر، وفيما كان يقود سيارته الخاصة متجها بها إلى سهل علّار في الساعة العاشرة ليلا؛ تفاجأ بحاجز عسكري احتلالي على مفترق باقة الشرقية علّار وقام الجنود الصهاينة المتموضعون على الحاجز بإيقاف سيارته والسؤال عن هويته الشخصية التي لم تكن بحوزته، فقيدوا يديه بالأصفاد البلاستيكية واقتادوه إلى مقر الارتباط العسكري (D-C-O) وهناك غطوا عينيه بعصبة ظلامية سوداء، وتناوبوا بالاعتداء عليه والتحقيق معه حول حقيقة اسمه، وبعد معرفة اسمه تم تحويله في صبيحة اليوم التالي إلى معسكر كدوميم للتحقيق معه على عدة جولات، وإعادته بعد كل جولة تحقيق إلى مركز توقيف مستوطنة أرئيل واستمر على هذا الحال ما يقارب أسبوعا كاملا تخلله ممارسة بعض أساليب التعذيب النفسي والجسدي تركز في معظمه على الشبح على كرسي صغير ثم عرض على محكمة سالم العسكرية، وبعد كل جولة محاكمة يتم تأجيله إلى موعد آخر وإعادته إلى مرکز توقيف مستوطنة أرئيل، وبعد ثمانية شهور من تاريخ اعتقاله حكم عليه بالسجن الفعلي لمدة26 شهرًا وفرض غرامة مالية قدرها 2000 شيكل وبعد المحاكمة تنقل بين عدة سجون صهيونية، وهي: الدامون، نفحة، عوفر النقب.
الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي
لم يكن في الاعتقال الأول ينتمي لحزب سياسي، لكنه نتيجة تأثره بجهاد سرايا القدس ودورها البارز والمحوري في المقاومة على مستوى الضفة الغربية، وتنفيذها عمليات فدائية جريئة ونوعية ومؤلمة للاحتلال؛ شكل ذلك محفزًا أساسيًا لديه للانضمام إلى حركة الجهاد الإسلامي منذ دخوله السجن، وفيه تشرب أفكارهم وعزز انتماءه وزاد من قناعته بالحركة أكثر عندما التقى بأسرى من زمن فريد يتلألأ نور الإيمان من وجناتهم وتسكن فلسطين قلوبهم، تأمل فيهم مليا فرآهم من خير الناس مجلسًا ومجتمعا وأخلاقا، واصطفاهم الله شهداء فيما بعد، كالشهيد القائد لؤي السعدي والشهيد القائد خالد رايق حسين (أبو صقر) والشهيد القائد محمد ساطي الأشقر الذي استشهد داخل الأسر في النقب على يد وحدة المتسادا الإرهابية في 2007/10/22م.
بداية العمل العسكري
قضى المجاهد تامر من حكمه ستة عشر شهرًا حيث أطلق سراحه ضمن صفقة تبادل أسرى بين حزب الله اللبناني والكيان الصهيوني في2004/01/29م، بعد خروجه من ظلمات السجن أبدى اهتمامًا كبيرًا بإعالة أهله ومارس حياته الطبيعية، لكنه لم يستنشق روح الحرية وعبق حياتها إلا لفترة وجيزة؛ فقد كان يوم 2004/03/22م نقطة تحول في حياته والدافع الأساسي للانخراط في العمل العسكري، ففي ذلك اليوم تم اغتيال مؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس الشهيد الشيخ أحمد ياسين في مشهد هز أعماق المشاعر الإنسانية، وعلى إثر ذلك انطلقت مسيرات حاشدة في أنحاء فلسطين وفي بلدة علّار وصيدا بمحافظة طولكرم، يتقدمها عدد غير قليل من مجاهدي سرايا القدس تندد بالجريمة وتدعو إلى الثأر، وكان المجاهد تامر ضمن الحشود المشاركة في المسيرات فتحركت مشاعره الوطنية في عمق نفسه تحرّكا عنيفًا، فأقبل بعزم نحو أحد مجاهدي سرايا القدس، وهو الشهيد القائد جمال نزيه جعار الذي كان حينها مطاردًا للاحتلال الصهيوني، فطلب منه الالتحاق بركب سرايا القدس، ونظرًا لاستقامته وحسن سلوكه تم الموافقة على انخراطه في صفوف سرايا القدس، فاستنفر قواه وتقدم إلى ساحة المواجهة للقاء العدو بنفس تواقة للجهاد مقبلا غير مدبر.
أبرز العمليات الجهادية
شكلت الآيات القرآنية السابقة منطلقا لعدد من العمليات الجهادية التي نفذها أسيرنا المجاهد تامر، والتي أهمها:
(1) عملية إطلاق نار من سلاح M16 وكلاشنكوف برفقة الشهيد المجاهد جميل جعار على دورية عسكرية صهيونية كانت تمر بالقرب من الجدار العنصري الفاصل في منطقة دير الغصون، وتم الانسحاب بسلام، ولم يتمكن الجنود من الرد على مصدر النيران إلا بعد انسحابهم، وقد حدثت العملية بعد استشهاد الشيخ المجاهد أحمد ياسين بأسبوع.
(2) عملية إطلاق نار بنفس الفترة برفقة الشهيد المجاهد معتصم جعار على حافلة لجنود الاحتلال على شارع قطين، وعاد المجاهدون إلى قواعدهم بسلام.
(3) سلسلة عمليات إطلاق نار على دوريات الاحتلال بمشاركة الشهيد القائد شفيق عبد الغني والشهيد المجاهد جميل جعار والشهيد المجاهد معتصم جعار والشهيد القائد لؤي السعدي والشهيد المجاهد نضال أبو سعدة، وقد جرت العمليات في مواقع متفرقة مثل مفترق عتيل، والجدار العنصري الفاصل على حدود قرية زيتا شمال طولكرم وشارع قفين، وذلك بين عامي 2004 - 2005م.
في عام 2004م قام المجاهد تامر جعار بالمشاركة في إيصال السيارة المفخخة برفقة الشهيد القائد نضال أبو سعدة، والتي تزن خمسمائة كيلو غرام من المواد شديدة الانفجار، وقد تم إعدادها على يد الشهيد المجاهـد محمـد أبـو خزنة والشهيد القائد لؤي السعدي والشهيد المجاهد معتز أبو خليل، وكان الهدف تفجيرها عن بعد بالقرب من حافلة لجنود الاحتلال على شارع ( يعبد – عرابة) بعد أن تم رصده وتعقبه من قبل مجاهدي سرايا القدس، لكن شاءت الأقدار أن تُكتشف السيارة من قبل الاحتلال وقد سمع دوي انفجارها على مسافة عدة كيلو مترات من المكان.
في شهر يوليو (تموز) 2005م قام المجاهد تامر بالمشاركة في إعداد وإيصال السيارة المفخخة إلى مستوطنة شافي شمرون برفقة الشهداء (ماجد الأشقر، معتز أبو خليل، الشهيد إلياس الأشقر، الشهيد معتصم جعار، لؤي السعدي) والأسير وجيه أبو خليل، لكن حدوث خلل ما أدى إلى انفجار جزء منها على بوابة المستوطنة دون أن يصاب أحد بجراح.
لقد أجاد المجاهد تامر فن القتال بحرفية عالية، وتميز بحضوره القوي في ساحات الجهاد بشجاعة لا تعرف الخوف أو الجبن أو الهزيمة.
خلف جدران التحدي
في يوم 07/26/ 2005م عزم الاحتلال الصهيوني على الكيد للمجاهد تامر جعار حين كان النوم يغالبه، فاستيقظ على حشود عسكرية ضخمة تقتحم ضاحية ذنابة شرق طولكرم، مستترة بالظلام بإسناد من سلاح الطيران، وبدأوا بإطباق الحصار عليه من كل الأزقة والشوارع، والمناداة عليه بمكبرات الصـوت للخروج من البيت المحاصر وتسليم نفسه، وقد حاول الإفلات من قبضتهم إلا أن كل محاولاته لاختراق الحصار لم تنجح.
ومن أجل ثنيه عن الاشتباك معهم قاموا باستخدام زوجة صاحب البيت وطفلتها الرضيعة ووالدته المسنة دروعا بشرية، فعدل عن قراره بالمواجهة في ظل الضغوط التي تعرض لها، نظرًا اضطر المجاهد جعار خشية منه على حياة الأبرياء إلى تسليم نفسه، حيث مورس معه التحقيق بوحشية باستخدام أساليب متعددة، وبعد انتهاء التحقيق معه بدأ مرحلة جديدة من تجربة الاعتقال تنقل فيها بين عدة سجون منها شطة وهشارون وريمون وجلبوع وآخرهـا سجن النقب الصحراوي.
وقد طال العقاب لأهله الذين كانوا عرضة للانتقام بعدم السماح لهم بزيارته إلا بعد عام ونصف من اعتقاله، ورغم تحديات السجون وظلمتها إلا أنه كرس وقته في اكتساب المعرفة ووزع جهده اليومي بما يعود عليه بالنفع والفائدة، ولعل أهم إنجازاته الحصول على دورات ثقافية متعددة منها أحكام تجويد القرآن الكريم وفقه السنة النبوية والعقيدة الإسلامية وعلوم الحديث ودورة في الإسعاف الأولي، كما انتسب إلى أكاديمية التحدي بجامعة القدس المفتوحة تخصص اجتماعيات وقطع فيها شوطًا دراسيا لا بأس به، واستمر بالتحدي بأشكال متعددة، منها خوص معارك الأمعاء الخاوية عام 2012م لمدة 28 يوما، والإضراب التضامني مع الأمين العام للجبهة الشعبية الأسير القائد أحمد سعدات لمدة ثلاثة أيام، ولإجبار إدارة السجون على إخراجه من العزل الانفرادي الذي يحاولون من خلاله سجن روح الأسير المعنوية وكسر إرادته
وعزله عن مجتمع الأسرى والعالم الخارجي بأكمله، كما استطاع تعميق العلاقة الودية مع إخوانه الأسرى من مختلف الفصائل الوطنية، وبذلك تغلب على متاعب ومصاعب وصدمات السجن وكبحها في مهدها قبل أن ينال اليأس منه.
صابر أواب جميل الاحتساب
رغم الألم والضر الذي أصابه جراء اعتقاله، وتوارد إلى مسامعه نبأ وفاة والده رحمه الله في 2013/03/21م في سجن ريمون، واستشهاد رفاق دربه بالجهاد أبناء مجموعته الشهداء (لؤي السعدي معتز أبو خليل، علي أبو خليل أبـو خزنة، نضال أبو سعدة، عادل الغاوي، جميل جعار، معتصم جعار، رائد عجاج، ماجد الأشقر)، بالإضافة لليوم الأكثر دموية وسوادا داخل الأسر عندما تعرض سجن النقب قسم (3) إلى اعتداء وحشي على الأسرى حيث أصيب المجاهد تامر برصاصة معدنية، وجروح غائرة في رأسه، فلا يستطيع حتى الآن نسيان ذلك المشهد المأساوي والضربات القاتلة التي كانت تتهاوى على رؤوس وأجساد الأسرى بقسوة بالغة كمن يريد تفتيت الصخر أو شق الحديد.
فرغم الألم والمحن ورحيل الأحبة وكيد الأعداء يستمر المجاهد تامرجعار بالعطاء.
نسأل الله الفرج القريب عنه وعن جميع الأسرى

