الإعلام الحربي _ خاص
مرة ثانية نقف أمام عمالقة الشمال بزنودهم السمراء وجباههم العالية بعيونهم المشعة للعناد والتحدي، بقلوبهم المطوية على النضال والمقاومة حتى الرمق الأخير، المجاهد نهار السعدي فيه تتزاحم العناوين وأمامه تصطف الكلمات تحاول أن تزداد جمالا وهي تتحدث عنه وتحيك صياغة قصته، فهو المجاهد والمناضل والمضحي.
الميلاد والنشأة
في الثلاثين من أكتوبر لعام الف وتسعمائة وواحد وثمانين كان ميلاد الأسير القائد نهار أحمد عبد الله السعدي وميلاد قصته التي ستتناقلها الأجيال يوما بعد يوم ،في الحارة الشرقية لمدينة جنين القسام كان المنشأ، في حضن أم لعشرة من الأبناء تربى نهار السعدي، باكرًا أصابه اليتم فصبغه بصبغته، ولكن الأم العظيمة أدت دورها المناط بها، فكانت أمًا وأبًا ومربيًا وموجهًا، غرست فيه الانتماء لفلسطين والحب المطلق لمفرداتها، أرضًا شعبًا قضيةً هُويةً وحضارة.
تلقى الأسير نهار السعدي تعليمه في مدارس وكالة الغوث ليحصل على شهادة الصف السابع، ثم يترك الدراسة إلى سوق العمل ليكد ويكدح مؤازرًا أمه ومعينًا لها على نوائب الدهر وشَظَفِ العيش.
ينتمي الأسير نهار السعدي إلى عائلة مجاهدة قدمت الكثير من الشهداء والأسرى والجرحى فداءً لفلسطين ونذكر منهم: الشهيد القائد العام لسرايا القدس بالضفة المحتلة لؤي السعدي، والشهيد القائد أشرف السعدي والشهيد يوسف صالح السعدي والشهيد علاء عبد اللطيف السعدي والشهيد محمود حسام السعدي والشهيد نافع جميل السعدي والشهيدين الشقيقين ابراهيم وعبد الكريم بسام السعدي، والأسير القائد علي السعدي (الصفوري) والأسير القائد رائد السعدي وجميعهم من سرايا القدس وغيرهم الكثير من الشهداء والأسرى.
ومع بداية انتفاضة الأقصى ظهرت القيم الثورية الأصيلة التي رضعها من أمه فخف سريعًا ليلتحق بصفوف سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي ويؤدي دور المجاهد الأصيل في الدفاع عن أرضه وشعبه.
مشواره الجهادي
وفي قصة جهاده نرى أسيرنا القائد نهار السعدي وهو يحمل على عاتقه إنجاح مهمة الاستشهادية هبة دراغمة، فيرصد الطريق جيدًا ويختار المكان الأكثر أمناً ويسلك دروبًا بعيدةً عن أعين الشمل ويضع الأمانة هناك في العفولة تلك المدينة التي عشقت الشهداء فارتبطت أسماء كثير منهم بترابها في العديد من العمليات البطولية، والتي كان لسرايا القدس شرف تنفيذ معظمها.
في التاسع عشر من مايو من العام ألفين وثلاثة توجه أسيرنا القائد نهار ومعه الاستشهادية هبة دراغمة والتي قامت بتفجير نفسها قربانًا إلى الله سبحانه وتعالى ونصرةً لقضيتها، لتصعد روحها إلى بارئها ويهلك في تلك العملية البطولية ثلاثة من الصهاينة ويصاب ستة وسبعون آخرين.
اعتقاله والحكم عليه
بعد تلك العملية البطولية كشّر الصهاينة عن أنيابهم وبدأت رحلة المطالبة بكل ما تداعياتها، وعندما حان القدر وفي الخامس عشر من سبتمبر عام الفين وثلاثة دخل أسيرنا القائد نهار السعدي بيته ليفاجأ بكمين نصب له من قوات الاحتلال وعملائه وعلى إثره وقع في الأسر، وبدأت معه رحلة التحقيق القاسية والمريعة والتي اعتاد فيها السجان أن ينزل ظلمه وظلامه على بطل فلسطيني ولكنه يبقى كالجبل الأشم التي تتحطم عليها أحلام السجان القميئة.
من عتمة الزنازين طلع نهار وأي نهار كان، إنه نهار السعدي المناضل والمقاتل وبدأت رحلته مع السجن ليحكم بمدى الحياة أربع مرات بالإضافة إلى 20 عاماً، ويودع في الزنازين الانفرادية لمدة أربع سنوات بتهمة الانتماء لسرايا القدس الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، وتوصيل الاستشهادية المجاهدة هبة دراغمة والتي نفذت عملية استشهادية في مدينة العفولة بتاريخ 19/05/2003م، وأدت لمقتل ثلاثة صهاينة وإصابة (76) آخرين، وتنسيقه مع المجاهدين خارج السجن لتنفيذ عملية أسر جندي صهيوني، وعمليات جهادية أخرى.
تعرض الأسير السعدي لحملة قمع منظمة متواصلة ومتعمدة من قبل إدارة السجون، حيث تم عزله في شهر أيار/ مايو من العام 2013 بحجة أنه يشكل خطورة على أمن الاحتلال، وتم تجديد عزله الانفرادي أكثر من مرة، وحرمانه من زيارة ذويه، ما اضطره إلى الدخول في إضراب مفتوح عن الطعام استمر 28 يوماً، ووافقت الإدارة حينها على السماح له بزيارة ذويه، حيث تمكنوا من زيارته مرة واحدة فقط وبعدها سمح فقط لوالدته في كل فترة بزيارته.
وعلى عادة كثير من الأسرى المرضى تعرض أسيرنا القائد نهار السعدي للإهمال الطبي حيث أنه يعاني من آلام في العظام، والتواء في العمود الفقري، كما يعاني من مشاكل في المعدة والقولون منذ سنوات، ولم يقدم له العلاج المناسب، وتوفي والده وحرم من وداعه، وما تزال والدته المسنة تتكبد معاناة السفر لزيارته منذ سنوات طويلة.
ورغم كل ما يعيانيه في داخل أسره إلا أنه أتم تعليمه وحصل على شهادة الثانوية العامة والتحق بجامعة الأقصى ليدرس التاريخ ويبقي على ضيائه فهو نهار سيبقى سناه جميلاً رغم القيد والسجان.
نسأل الله الفرج القريب عنه وعن جميع الأسرى

