الإعلام الحربي _ خاص
جميع أبطال التاريخ قد يُهزمون ويُقهرون ويموتون، وقد يتمكن منهم الضعف وهم محدودون بالزمان والمكان والبيئة والظروف كباقي البشر إلا أن المجاهد القائد الكبير محمد قاسم عارضة ليس تاريخًا فحسب، بل هو بأعماله أسطورة. فلك المجد ولك البطولة يا محمد! يا ريح المسك الطيب! يا معاني كلماتي! يا راحة كفي الممسكة بالقلم! لك منا سلام ما هطل الدمع أو بكى الغمام.
الميلاد والنشأة
ولد الأسير المجاهد محمد قاسم أحمد عارضة بتاريخ 3-9-1982م، في بلدة عرابة قضاء مدينة جنين بالضفة الغربية المحتلة، لأسرة قروية ملتزمة بدينها وأخلاقها، منذ نعومة أظفاره تربى على حب الوطن والجهاد والإيثار ومساعدة الآخرين.
استحوذ المجاهد محمد على حب والديه منذ نعومة أظفاره، فحرص والده على تنشئته تنشئة إسلامية إيمانية، فعلمه الإسلام وأدب القرآن ورفعة الأخلاق، فأصبح إلى جانب أبيه من رواد المسجد، وكان يحرص على الصلاة فيه في معظم الأوقات.
درس المجاهد محمد عارضة المرحلتين الابتدائية والإعدادية في مدارس بلدة عرابة، والتحق بمدرسة عرابة الثانوية إلا أن السلطة الوطنية اعتقلته قبل أن يحصل على شهادة الثانوية العامة (التوجيهي) في شهر يناير عام 2000م مع رفيق دربه الشهيد القائد إياد حردان وغيرهم من الشهداء.
بداية اهتمامه بحركة الجهاد الإسلامي
تعمق حبه للجهاد الإسلامي أكثر فأكثر عندما كان يذهب إلى جانب أشبال الجهاد الإسلامي إلى المسجد الشمالي في عرابة، هذا المسجد الذي نشأ وتربى فيه، وكان له أثر عظيم عليه. حينها كبر ليأخذ دورة في الأذان في المسجد والعناية به وكان يجلس فيه مع كوادر حركة الجهاد الإسلامي الأكبر منه سنًا ليتأثر بهم، وبصفاتهم وأخلاقهم وبأفكارهم وخاصة مع المجاهدين إياد حردان وسفيان عارضة الذي كان له الأثر المباشر في ضم المجاهد محمد لصفوف الجهاد الإسلامي.
اشتد المرض على والده ليتوفاه الله عز وجل بتاريخ 24 / 10 / 1995 م، ليزداد حزنًا وألمًا، فنشأ في حالة اليتم ليصبح بعدها المعيل والمسئول المباشر لعائلته ووالدته وأخواته وإخوانه الصغار.
في العام 1996 م، أصبح المجاهد محمد من أهم نشطاء الجماعة الإسلامية الإطار الطلابي للحركة آنذاك، وازداد نشاطه في المدرسة ليكون إلى جانب صديقه المجاهد وائل عساف، وقاموا بالعديد من النشاطات المدرسية كمجلة الحائط وتوزيع جريدة “الاستقلال” على مدير ومعلمي المدرسة، وتعتبر مجلة الحائط التي أنشأها محمد والشهيد وائل والأسير نبيل مغير أول مجلة حائط تابعة للجماعة الإسلامية في مدارس جنين وقراها.
نشاطه ضد الاحتلال
أراد المجاهد محمد في العام 1997 م أن يغيظ العدو الصهيوني ويجعله يشتاط غضبًا عبر قيامه بوضع جسم مشبوه على أحد الشوارع المؤدية إلى مستوطنة “مابو دوتان”، وما أن رأى العدو الصهيوني هذا الجسم المشبوه قام بإغلاق المنطقة والإعلان عنها منطقة مغلقة عسكريًا وأحضر خبراء المتفجرات ومئات الجنود الصهاينة معززين بآلياتهم العسكرية، وتم إحضار الروبوت الآلي ليقوم بفحص هذا الجسم المشبوه والعمل على تفجره، فتفاجأ العدو أن الجسم غير مشبوه ولا يوجد به متفجرات مما أثار حالة من الغضب الشديد في صفوف العدو، وأدخل الفرح والسرور على قلب المجاهد محمد عارضة.
قرر المجاهد محمد عارضة إلى جانب إخوانه وائل عساف ونبيل مغير تشكيل خلية صغيرة مهمتها إلقاء الزجاجات الحارقة على الدوريات الصهيونية في مستوطنة ومعسكر” دوتان” القريب من منزل المجاهد محمد عارضة، كما حصلت المجموعة على المال وقاموا بشراء مسدس وذخيرة وقنابل يدوية في أواخر العام 1999م.
اعتقال السلطة له
السلطة الفلسطينية كانت تتابع المجاهدين أولً بأول فتم اعتقالهم بتاريخ 11 / 01 / 2000 م وكان حينها المجاهد محمد في الفصل الثاني من مرحلة التوجيهي، وبدأ مشواره الجديد في سجون السلطة الفلسطينية بدءًا من تحقيق متابعة رام الله للأمن الوقائي، ثم انتقل إلى سجن أريحا ثم انتقل إلى سجن جنيد واستطاع المجاهد محمد في تحقيق رام الله الالتقاء مع عدد من المجاهدين أمثال إياد حردان وأسعد دقة وأنور حمران وخالد زكارنة ونعمان طحاينة ووائل عساف ونبيل مغير بالإضافة إلى المجاهد جميل جاد الله.
بدأ المجاهدون محمد ووائل ونبيل يتحدثون مع المجاهد إياد حردان حول استعدادهم للعمل العسكري بعد خروجهم من سجن جنين، فتم التواصل مع المجاهد إياد لتطبيق ما تم الاتفاق عليه في سجن جنيد عبر تشكيل الخلايا العسكرية المسلحة، وفي هذه الفترة تم تحويل اسم الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي من “قسم” إلى سرايا القدس، وألقى المجاهد محمد البيان الأول بنفسه في بلدة عرابة، وما هي إلا أيام حتى تم تشكيل الخلية الأولى لسرايا القدس بقيادة المجاهد القائد إياد حردان مكونة من المجاهدين محمد عارضة ووائل عساف ونبيل مغير ويحيى الزبيدي وأسامة نغنغية، وكان إضافة لهذه الخلايا قد برزت قيادات مهمة لسرايا القدس أمثال القادة ثابت المرداوي ومحمود طوالبة وعلى السعدي (الصفوري).
قامت المجموعة الجهادية بزرع عبوات ناسفة على طريق جنين نابلس لقافلة عسكرية صهيونية كانت في طريقها إلى معسكر التدريب في قرية صانور حيث تم رصد هذا الهدف بعد طول مراقبة دقيقة، وتمت عملية التفجير حيث أدت إلى شطر إحدى الحافلات الصهيونية من النصف، ووقوع إصابات مباشرة في الجنود الصهاينة، وكانت هذه العملية هي الرد الأولي على جريمة اغتيال المجاهد أنور حمران أحد أهم قادة الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية.
كما قامت المجموعة المجاهدة وإلى جانبهم القائد أسعد دقة بزرع عبوات ناسفة في نفس الموقع السابق على طريق جنين نابلس، وتم استهداف نفس القافلة المتجهة إلى معسكر صانور، وكانت هذه العملية هي العملية الأولى التي يستخدم فيها تقنية التفجير عن بعد عبر الهاتف الخلوي، ونجح حينها المجاهد محمد عارضة ومجاهد آخر في زرع العبوات الناسفة، وما أن مرّت القافلة الصهيونية حتى قام القائد أسعد بتفجير العبوة عن بُعد.
شارك المجاهد محمد عارضة برفقة عدد من المجاهدين في عملية إطلاق النار وقذائف الهاون على معسكر ”دوتان” ونجحت هذه العملية بشكل كبير، وجاءت للرد على جريمة اغتيال الشهيد القائد إياد حردان.
بتاريخ 12-9-2001م، استشهد القادة الأبطال أسعد دقة وسفيان عارضة ووائل عساف بعدما تم محاصرتهم ودارت الاشتباكات المسلحة في المكان، وحاول المجاهد محمد عارضة حينها فك الحصار عن إخوانه المجاهدين عبر خوضه الاشتباك المسلح العنيف مع الجنود الصهاينة، وتم إيقاع عدد من الإصابات في صفوف الجنود، واستطاع المجاهد الانسحاب من المكان بصعوبة بالغة جدًا بعد أن نفذت ذخيرته.
اللقاء مع القائد خالد زكارنة
تعرف المجاهد محمد على القائد خالد زكارنة في سجن جنيد في العام2000 م قبل أحداث الانتفاضة، ومن المعروف أن المجاهد خالد يتمتع بخبرة عسكرية كبيرة، وتمكن المجاهد محمد من الوصول إليه، واتفق المجاهدان من أجل العمل العسكري، وأرسل قائد سرايا القدس في جنين نعمان طحاينة للمجاهد محمد عارضة ليعمل إلى جانبه وإلى جانب القائد خالد زكارنة.
بدأ المجاهدون نعمان وخالد ومحمد عارضة يُنسَقون لشراء مواد أولية لصناعة المتفجرات للتجهيز لعملية استشهادية، وكان الاستشهادي المجاهد سامر شواهنة من بلدة سيلة الحارثية في جنين الذي تعرف عليه المجاهد محمد عبر القائد نعمان طحاينة.
عملية الاستشهادي سامر شواهنة
أشرف على العملية المجاهدون خالد زكارنة ونعمان طحاينة ومحمد عارضة، حيث قام المجاهد محمد عارضة قام بتصوير الاستشهادي سامر شواهنة، وكان للمجاهد محمد عارضة دور محوري في عملية الاستشهادي سامر شواهنة الذي كان (دينمو) المجموعة، حيث قام بإبلاغ الدكتور رمضان شلح بتفاصيل العملية، وأرسل أشرطة الفيديو إلى وسائل الإعلام، وأعلن مسئولية سرايا القدس عن العملية.
وفي تاريخ 29-11-2001م، توجه المجاهد سامر لتنفيذ العملية الاستشهادية حيث صعد إلى حافلة صهيونية تقل بالعادة الجنود الصهاينة، وكانت متوجهة من وادي عارة إلى “تل أبيب” وقد فجر الاستشهادي نفسه في وسط الحافلة حيث قتل ثلاثة جنود صهاينة وجرح تسعة آخرون.
استمرت الملاحقات الأمنية لتطال المجاهد محمد حيث تم نصب كمين للمجاهد محمد عارضة في مخيم جنن أثناء زيارته لبيت أخته في المخيم، ولما خرج منه في وقت متأخر جدًا من الليل إذا بالسلطة الفلسطينية بتاريخ 07 / 01 / 2002 م يحاصرون المجاهد من كل جانب وقاموا بخطفه وإدخاله بالقوة في داخل السيارة، وتم الإفراج عن المجاهد محمد في منتصف شهر مارس من العام 2002م، وبدأ مشواره الجديد في رام الله.
مرحلة الجهاد في رام الله
منذ اللحظة الأولى التي خرج بها المجاهد محمد عارضة من سجن السلطة بدأ البحث عن المجاهدين والمقاومين في رام الله، واستطاع أن يجتمع مع قادة كتائب شهداء الأقصى وعدد من مجموعة كتائب الشهيد أبو علي مصطفى، وبدأ التنسيق بين معظم الأجنحة العسكرية لإحياء المقاومة المسلحة في رام الله ونقل تجارب وخبرة المجاهدين في مخيم جنين إليها، وقدم الكثير من الأمور المادية والمعنوية واللوجستية لإحياء العمل العسكري في رام الله.
قرر المجاهد محمد الخروج إلى قرية كفر نعمة، والهدف هو الوصول إلى المجاهد رياض خليفة أحد قادة سرايا القدس في رام الله، فاتفق معه المجاهد محمد على تشكيل خلايا عسكرية مسلحة في رام الله، وتمكن المجاهد محمد من شراء قطعتي سلاح من نوع ميني كلاشينكوف للخلية العسكرية الجديدة، وبادر المجاهد محمد بشراء سلاح جديد من نوع M16 لتشكيل خلية عسكرية جديدة في كفر نعمة مهمتها إطلاق النار على المستوطنين والدوريات الصهيونية، والأهم أن المجاهد محمد لم يكتف بذلك فحسب، بل أخذ على نفسه المسئولية بتجهيز ثاني عبوات ناسفة ونقلها إلى كفر نعمة بالإضافة إلى تكثيف الجهود في الحصول على المواد الأولية في صناعة المتفجرات.
حاول الجيش الصهيوني أن يقتحم بلدة عرابة للبحث عن المجاهدين من سرايا القدس، واقتحموا منزل المجاهد محمد في داخل بلدة عرابة، وكانت عائلته غير متواجدة فيه، ولعدم وجود أحد في المنزل قام الجنود الصهاينة بتحويل المنزل إلى خراب ودمار وأضرار جسيمة.
وفي هذه الفترة كانت العائلة تقوم ببناء بيت جديد في أطراف البلدة مما جعل العدو الصهيوني يقتحم هذا البيت ويقوم بتفجيره وتدميره بشكل جزئي انتقامًا من عائلة المجاهد محمد عارضة.
اعتقاله والحكم عليه
بتاريخ 16-5-2002م، تم محاصرته وتم تشديد الحصار على منطقة المصايف في الإرسال قرب المقاطعة في إحدى الشقق السكنية في رام الله، وتم اعتقال المجاهد محمد واقتياده إلى مصعد العمارة كان قرار هذا البطل بأنه لا يريد أن يكون أسيرًا، فقرر مهاجمة الجندي الصهيوني الذي يُمسك به، وقام بفك وثاقه ونزع العصبة عن عينيه وضرب الجندي على وجهه.
ورغم ذلك فإن اعتقال المجاهد القائد محمد عارضة لم يكن لينهي جهاده، بل اعتبر السجن مكانًا مهماً لصناعة الرجال وإعدادهم وصقل شخصيتهم، فعلى الرغم من أن العدو الصهيوني قد حكم عليه بثلاث مؤبدات وعشرين عامًا بتهمة الانتماء والعضوية في سرايا القدس، والمشاركة في عمليات للمقاومة ضد قوات الاحتلال الصهيوني، ويقبع حالياً في سجن رامون، إلا أن ذلك الأمر لم يفت في عضده، ولا يزال صامدًا قويًا عزيزًا شامخاً رغم الصعاب ومرارة الألم.
وما هي إلا أِشهر حتى قام العدو الصهيوني باعتقال المجاهد باسم عارضة شقيق المجاهد محمد لتعود الحاجة أم محمد إلى حزنها الذي لم ينته منذ فراق ولدها محمد. وتوالت المصائب والمحن على هذه العائلة، فلم يستهدف العدو رجال هذه العائلة فقط، بل طال النساء، فتم اعتقال شقيقات المجاهد محمد الثلاث، وبقي إخوة محمد عرضة للملاحقة الصهيونية بعد اعتقاله لمرات عديدة ضغطًا على هذه العائلة.
أصر المجاهد الكبير محمد على ألا يتوقف دوره الجهادي في سجون الاحتلال الصهيوني، وأنه لابد من مساعدة المجاهدين سواء في سجون العدو الصهيوني أو في الضفة الغربية وبكافة الوسائل الممكنة، فكان لهذا المجاهد الفضل الكبير خارج هذه السجون وداخلها في الاعتناء والاهتمام بالشباب الجامعين.
قدم المجاهد محمد عارضة المساعدة الكبيرة للمجاهد أحمد دهيدي من بلدة عرابة الذي كان يدرس في جامعة الخليل، وأصر على العودة إلى مدينة جنين وترك الدراسة ومباشرة العمل العسكري في سرايا القدس، فما كان من المجاهد محمد إلا أن يصل المجاهد أحمد بقيادة الحركة في الخارج من أجل الحصول على المال المطلوب لشراء السلاح والعتاد حيث إن المجاهد أحمد دهيدي نفذ عملية عسكرية برفقة أحد المجاهدين، وكانت هذه العملية من أهم العمليات لجرأتها ولنوع السلاح الذي تم استخدامه فيها.
وقدم الكثير لسرايا القدس في ذلك الوقت من معلومات حول تحركات الجيش الصهيوني المتجهة إلى مخيم جنين وقت الاجتياح، ودفع ثمن ذلك عبر قيام مصلحة السجون بعزله في زنازين سجن إيشل الصهيونية، وما أن خرج من العزل الانفرادي حتى انكب على العلم والتعلم وحصل على دورات عديدة في كافة التخصصات الدينية والسياسية والثقافية بالإضافة إلى حصوله على شهادة البكالوريوس في علم التاريخ من جامعة الأقصى، وحصل على الماجستير المهني في إدارة الأعمال تخصص إدارة مؤسسات من جامعة القاهرة في مصر، وأكمل حفظ كتاب الله، ولا يزال ينتظر اليوم الذي يجمعه الله فيه بوالدته وإخوته وأخواته بعد طول انتظار استمر لأكثر من تسعة عشر عامًا قضاها محتسبًا صابرًا في سجون الاحتلال.
نسأل الله الفرج القريب عنه وعن جميع الأسرى

