الإعلام الحربي _ خاص
نقف اليوم للحديث عن احد أبطال وفرسان مجموعة الشهيد القائد لؤي السعدي في سرايا القدس، تلك المجموعة التي كتبت بدماء شهدائها حكاية شعب مظلوم، فخطت بسواعدها حدود الوطن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه ومن بحره إلى نهره، ليكون الحساب النهائي هو 27 ألف كيلو متر مربع، فبأعمالهم البطولية وبتضحياتهم أحيوا أشجاراً للحرية في كل محافظة ومدينة وبلدة وقرية ومخيم وشارع وحارة، ومن فوق سماء الوطن الذبيح كان يرتفع قمر بل نجم يضيء للأجيال القادمة طريق الجهاد والحرية، فبالرغم من الدماء الغزيرة والدموع الحارة والمعاناة اليومية فإن مجموعة الشهيد القائد لؤي السعدي قد أقسمت اليمين على أن تسير على درب الشهداء والأسرى والمطاردين، فبطلنا الذي نتحدث عنه هو المجاهد محمد خالد عامودي، ذلك المجاهد الذي له الفضل بعد الله عزوجل في أن تكون آخر عملية استشهادية في مجموعة الشهيد القائد لؤي السعدي على يديه، فكان هو وإخوانه في المجموعة في ذلك الوقت شوكة في حلق الاحتلال الصهيوني، وأما اليوم فأننا نرى الصهاينة يستأسدون في زمن غياب الأسود الذين غيبتهم الحياة ليكونوا إما شهداء وإما أسرى في غياهب السجون.
الميلاد والنشأة
ولد الأسير القائد محمد خالد حسن عامودي في تاريخ 15-5-1980م، في بلدة برقين الصمود بلدة الشهداء والأسرى والاستشهاديون، وسط أسرة متدينة ملتزمة مجاهدة، واشرب منذ صغره حب الوطن وكراهيته للعدو الصهيوني، فمنذ سنوات عمره الأولى كان المجاهد محمد ينتمي إلى جيل أطفال الحجارة في الانتفاضة الكونية الأولى، وتمرس في ميادين المواجهة منذ نعومة أظفاره.
درس الأسير القائد محمد عامودي المرحلتين الابتدائية والإعدادية في مدارس بلدة برقين قضاء محافظة جنين، وقرر أن يترك الدراسة لمساعدة أسرته في تأمين مستلزمات الحياة، فعمل في كل المجالات وفي أصعب الظروف حتى استطاع العمل في داخل الأراضي المحتلة عام 1948م.
ومع اندلاع شرارة انتفاضة الأقصى عام 2000م، سارع المجاهد محمد عامودي إلى المشاركة الكبيرة في كل المظاهرات التي تدعو لها القوى الوطنية والإسلامية في مدينة جنين، بل كان يعمل على نقل المتظاهرين عبر جرار زراعي كان يملكه إلى مكان الاحتكاك والمواجهة مع الجيش الصهيوني على حاجز الجلمة الصهيوني.
كان العام 2001م، من أصعب الأعوام على المجاهد محمد عامودي ولا سيما أنه فقد فيه اعز أصدائه الشهيد معتز صبح الذي استشهد بتاريخ 11-4-2001م، في مواجهات مع العدو الصهيوني على حاجز الألمانية في جنين، وكذلك فقد صديقه المجاهد نضال أبو شادوف من سرايا القدس الذي نفذ عملية استشهادية في محطة "بنيامينا" بتاريخ 16-7-2001م، وأسفرت العملية عن قتل اثنين من الصهاينة وإصابة العشرات، وحزن حزناً شديداً على صاحبيه الشهيدين.
ملاذ للمطاردين
جعل المجاهد محمد عامودي من منزله وجهة ومقصداً لكل المطاردين من المجاهدين من كافة الفصائل الفلسطينية، فكان من الأوائل ممن دخل بيته من المجاهدين: المجاهدون محمد أبو طبيخ وسعيد طوباسي والشهيد عبد الهادي العمري، لا سيما بعد اجتياح مخيم جنين، وقدم لهم المساعدة الكبيرة، وكان ذلك يتم بشكل سري، حيث لم يكن إيواء المطاردين في ذلك الوقت سهلاً، حيث كان العدو الصهيوني يقوم بهدم المنازل التي يتواجد بها المطاردون أو يتم قصفها بصواريخ الطائرات.
انتقل المجاهد محمد عامودي من مدينة جنين إلى مخيم بلاطة في محافظة نابلس للعمل في مجال الخياطة ليمضي هناك نحو 3 سنوات، وقرر في العام 2005م، العودة إلى مدينة جنين وغلى بلدته برقين، وبدأ المجاهدون والمطاردون يقصدون منزله لشدة كرمه وتفانيه في خدمة المجاهدين.
تعرف المجاهد محمد عامودي على الشهيد القائد في سرايا القدس نهاد أبو غانم الذي طلب منه الاهتمام بالمجاهدين الذين سيحضرهم للمبيت عنده في المنزل وكان أول من دخل منزله من المجاهدون: الشهيدين نضال أبو سعدة وجميل جعار وهما من محافظة طولكرم ومن قادة سرايا القدس ، وقام المجاهد محمد باستقبالهم أفضل استقبال ونشأت بينهم علاقة طيبة ورائعة.
التحاقه بسرايا القدس
انضم المجاهد محمد خالد عامودي إلى صفوف سرايا القدس رغم أن ميوله لحركة الجهاد الإسلامي كانت واضحة منذ بداية أحداث انتفاضة الأقصى، وتعمقت صلته مع عدد من المجاهدين ومنهم الشهداء جميل جعار ومعتصم جعار ومعتز أبو خليل وأحمد طوباسي، والأسرى معتصم رداد ووجيه أبو خليل وأدهم يونس وغيرهم من المجاهدين.
ازداد حبه لحركة الجهاد الإسلامي والفضل بعد الله عائد إلى الشهيد القائد نضال أبو سعدة والذي كان ولا يزال المجاهد محمد عامودي يعتبره أخاه بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وبدأ حينها المجاهد نضال أبو سعدة يستعين بالمجاهد محمد عامودي حول إمكانيته في المساعدة على تجنيد الاستشهاديين أو إيصالهم إلى الداخل المحتل أو المساعدة في أي مجال يمكن فيه إنجاح العمل العسكري ضد المحتل الصهيوني.
كرر المجاهد محمد عامودي الذهاب إلى مدينة "تل أبيب" وشوارعها لفحص المواقع التي يتردد عليها الصهاينة والتي تصلح لأن تكون هدفاً للعملية القادمة، وكرر ذلك مرتين أضافيتين استطاع خلالهما إحضار مواد خاصة بتصنيع المتفجرات، وكذلك إحضار كمية كبيرة من الرصاص تم وضعها في راديو كبير لتمريرها عبر الحواجز الصهيونية، فأعجب المجاهد نضال أبو سعدة ببسالته وشجاعته، ولم يكمل القائد نضال أبو سعدة إشرافه على العملية بعد أن أقدم الجيش الصهيوني على اغتياله بتاريخ 31-1-2006م، برفقة الشهيد أحمد حسام طوباسي في اشتباك مسلح في بلدة عرابة بمحافظة جنين.
كانت حادثة اغتيال المجاهدين نضال أبو سعدة وأحمد طوباسي قاسية جداً على قادة ومجاهدي سرايا القدس في الضفة المحتلة، وشعر حينها المجاهد محمد عامودي بحزن شديد، وإكراماً لصديقه نضال أصبح يكنى بـ (أبو نضال)، وأقسم على أن يثأر لدماء الشهداء، وتوجه إلى الشهيد إلياس الأشقر والذي كان يعتبر قائد سرايا القدس في مجموعة الشهيد القائد لؤي السعدي، وطلب منه مسدس المجاهد نضال لكي يحتفظ به كما احتفظ بملابسه لأجل الذكرى، وطلب منه الشهيد القائد إلياس الأشقر أن يكمل ما بدأه مع الشهيد نضال أبو سعدة من أعمال عسكرية وجهادية.
الباحث عن الشهادة
توجه المجاهد محمد عامودي إلى أحد أصدقائه من الذين يدرسون في جامعة القدس المفتوحة وهو المجاهد سامر حماد من قرية العرقة في مدينة جنين، وقام بتجنيده لتنفيذ عملية استشهادية لإلحاحه الشديد على عمن يساعده في تنفيذ عملية استشهادية، وقام الشهيد إلياس الأشقر والشهيد معتصم جعار والمجاهد محمد عامودي بتجهيزه وتصوير وصيته قبل تنفيذه عمليته البطولية.
قام المجاهد محمد عامودي بمرافقة الاستشهادي سامر حماد طيلة فترة الطريق حتى مكان العملية في مدينة "تل أبيب" المحتلة وتعرضا لعدة حواجز صهيونية إلا أن إرادة الله سبحانه وتعالى كانت تنجيهم من عدم كشف قوات الاحتلال لهما، رغم تعرضهم لعدة عقبات تمثلت في تفتيش المركبة التي يستقلانها من قبل قوات الاحتلال ووقوفهم على الحواجز الصهيونية.
وفي يوم الاثنين الموافق 17-4-2006م، قام المجاهد محمد عامودي بتحديد مكان العملية وهو مطعم صهيوني في مدينة تل أبيب المحتلة وهو نفس المطعم الذي نفذ فيه الاستشهادي سامي عنتر من سرايا القدس بتاريخ 19-1-2006م، عملية استشهادية، وأراد المجاهد محمد عامودي أن تكون العملية في نفس المطعم، وطلب من الاستشهادي سامر حماد أن يحمل شنطة المتفجرات على ظهره وعلمه كيف يقوم بتشغيل الدائرة الكهربائية لحدوث الانفجار ، وطلب منه عند لحظة التفجير أن يكون اتجاه شنطة المتفجرات إلى داخل المطعم، حتى يتم قتل أكبر عدد ممكن من الصهاينة.
قام المجاهد محمد عامودي بتوديع الاستشهادي سامر وتقبيل جبينه الطاهر وأوصاه أن يشفع له عند لقاء الله عزوجل وذهب لمكان قريب ويشاهد العملية الاستشهادية عن قرب، وفجر الاستشهادي سامر جسده الطاهر وهز الانفجار المكان وتناثرت الأشلاء في كل مكان، وشاهد المجاهد محمد كل تفاصيل الانفجار بأم عينيه وتجمهر الصهاينة في المكان، وسارع المجاهد محمد عامودي إلى مغادرة مكان العملية التي أدت إلى مقتل 11 صهيونياً وإصابة 70 آخرين.
اعتقاله والحكم عليه
بعد ساعات من العملية الاستشهادية بتاريخ 17-4-2006م، توجه المجاهد محمد عامودي إلى منزل أحد أصدقائه للتخفي عن أعين قوات الاحتلال التي انتشرت بكثافة وأصبحت مدينة "تل أبيب" ثكنة عسكرية يصعب الخروج منها، وما هي إلا لحظات حتى أحاطت قوات الاحتلال المنزل من كل مكان وبدأوا عبر مكبرات الصوت ينادون عليهما بالاستسلام وتسليم نفسيهما، واقتحمت قوات الاحتلال المنزل وتمكنت من اعتقال المجاهد محمد عامودي وصديقه، وتعرض لتعذيب وتحقيق ميداني، ومن ثم تم نقله إلى تحقيق سجن الجلمة، وتم نقله إلى أحد السجون وكان عبارة عن مصيدة بمعنى أنه سجن للعصافير أي العملاء، وقد وقع المجاهد محمد عامودي في الفخ واعترف بتفاصيل العملية ونقل للتحقيق وتعرض لفترة طويلة من التعذيب والتحقيق وبعدها نقل إلى سجن مجدو ليستقبله أبطال الجهاد الإسلامي وباقي الفصائل الفلسطينية.
أراد العدو الصهيوني الانتقام من الأسير القائد محمد عامودي، حيث أصدرت ما تسمى المحكمة الصهيونية بحقه حكماً بالسجن 11 مؤبد بالإضافة إلى 20 عاماً؛ بتهمة الانتماء لسرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين؛ والمشاركة في عمليات للمقاومة وتوصيل الاستشهاديين، ويقبع حالياً في سجن رامون الصحراوي.
بدأ الأسير القائد محمد عامودي معركته الجديدة مع العدو الصهيوني في داخل الأسر عبر قيامه ومشاركته ضد ما يسمى زوراً بمصلحة السجون الصهيونية عبر الإضرابات المتكررة والمتعددة.
الخبر الأصعب
وبالرغم من الأوضاع التي عاشها الأسير محمد عامودي في سجون الاحتلال فقد ابتلاه الله عزوجل فحمد وصبر عندما جاءه خبر وفاة والده بتاريخ 29-7-2014م، وكان في أول أيام عيد الأضحى المبارك، ليأتيه الخبر الأصعب والذي ما زال متأثراً به وهو خبر وفاة والدته بتاريخ 1-1-2016م، تلك المرآة المجاهدة الصابرة المحتسبة والتي لقيت الله عزوجل بعد أن بذلت كل ما بوسعها من أجل التخفيف عن نجلها محمد في سجون الاحتلال.
فقد كانت تزوره كلما سمحت الفرصة إلى ذلك، بل دفعت ثمناً كبيراً من أجل ذلك، حيث إنه في العام 2015م، عندما كانت في زيارة لنجلها الأسير محمد في سجن جلبوع الصهيوني وعلى باب السجن تم اعتقالها بتهمة تهريب الأجهزة الخلوية لنجلها الأسير وتم اقتيادها للتحقيق وقامت إحدى العائلات الشريفة في أم الفحم بكفالتها إلى حين وقت المحكمة ليتم الحكم عليها بغرامة مالية قدرها 5000 شيكل، ومنعت من زيارته وتوفاها الله عزوجل دون أن يراها منذ ذلك اليوم، وبالرغم من كل الابتلاءات التي أصابت الأسير القائد محمد عامودي إلا أنه ما زال ممسكاً بحبل الله المتين، ومدركاً أن بعد العسر يسرا، وأن فضل الله ورحمته عظيمة.
نسأل الله الفرج القريب عنه وعن جميع الأسرى

