فلسفة الجهاد في الإسلام

يعتقد المسلمون أن الإسلام نادى لنشر العدل والمساواة بين البشر في الحقوق والواجبات؛ بين الغني والفقير؛ الحاكم والمحكوم؛ القوي والضعيف؛ الشريف والوضيع، العالم والجاهل، الحبر والراهب العابد والزاهد، تحت شعار واضح (لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمى على عربي ، ولا لأبيض على أسود . ولا لأسود على أبيض ، إلا بالتقوى ، الناس من آدم ، وآدم من تراب)[1]، فلا عنصرية بغيضة ولا طبقية مقيتة.

 

ويعبر القرآن عن ذلك بوضوح في قوله:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }المائدة8.

 

أي يا أيها الذين آمَنوا بالله ورسوله محمد كونوا قوَّامين بالحق, ابتغاء وجه الله, شُهداء بالعدل, ولا يحملنكم بُغْضُ قوم على ألا تعدلوا, اعدِلوا بين الأعداء والأحباب على درجة سواء, فذلك العدل أقرب لخشية الله, واحذروا أن تجوروا. إن الله خبير بما تعملون, وسيجازيكم به.

 

كما يفرض الإسلام على الأغنياء دفع جزء من أموالهم (الزكاة على المسلمين أو الجزية على غير المسلمين) ليتم توزيعه على فقراء الناس وضعفائهم وحرم أكل أموال الناس بالباطل من النهب والسلب أو من الربا أو من الغش أو الخداع.

 

ومعلوم أن كل هذه القيم والمبادئ تتعارض تماما مع مصالح الطغاة والجبابرة الذين استذلوا الناس واستعبدوهم، فأعلنوا عداوتهم للإسلام والمسلمين فكان لزاما على المسلمين من إعداد العدة لمواجهة تلك المخاطر - حتى لا يؤخذوا على غرة - فأمرهم ربهم بذلك: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } الأنفال60.

 

ولما كانت رسالة محمد للناس كافة فكان لزاما عليه السعي لرفع هذا الظلم عن الناس كافة ومواجهة هؤلاء الطغاة في أي مكان ومهما كلف الثمن؛ فكان فرض الجهاد على المسلمين لتحقيق مقاصد الدين السامية، لا يهم أن يدخل الناس في دين الإسلام ولكن المهم أن ينعموا بالعدل والأمن تحت حكمه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } التوبة123.

 

وهذا ما يفسر بوضوح فلسفة الجهاد في الإسلام.

تطور الجهاد في القضايا الفقهية و في تاريخ إسلامي. تطور الجهاد على مدى الأجيال بالنسبة للفكر الفقهي، وبدأ الجهاد هو ما ذهب إليه الفكر الفقهي في ظهور الإسلام - فقالوا إن الجهاد فرض كفاية على كل مسلم حر و بالغ وعلى المسلمين مواصلة الجهاد إلى أن يدخل الناس كافة في حكم الإسلام ويكون الدين كله لله البقرة 193 إن شرط الجهاد يتم أداؤه إذا قام الإمام بغزوة مرة كل عام.

 

والبعض يقول يكفي لتوفر شرط الجهاد أن يهيئ الإمام جيش الإسلام لقتال أعداء الإسلام.ومن الضروري إعلام العدو بأن جيش الإسلام يقصد قتالهم. معلوم أن الديانة الإسلامية ديانة عالمية موجهة لجميع الناس، ونشر هذه الديانة في كل مكان هو واجب الجماعات الإسلامية، حتى تُعرف في جميع أنحاء العالم حقوق الله وحقوق البشر وذلك كما يحددها القرآن ، يجب أن توجه الدعوة للأمم التي تجهل الإسلام أو التي ترفضه ، وفي حال رفضها الإصغاء لتلك الدعوة يحق حينها للمسلمين إذا اجتمعت كلمتهم أن يجاهدوا تلك الأمة وأن يوجهوا لها نصال سيوفهم .

 

تخضع قوانين الجهاد على مر العصور لقواعد دقيقة وعادلة، مثل عدم أذية غير المقاتلين من نساء وأطفال ورهبان بل يجب احترامهم طالما أنهم لم يتورطوا بالتحريض على قتال المسلمين. أما المنتمين للديانات التوحيدية كالمسيحيين واليهود والصابئة والمجوس فيحق لهم الاهتداء للإسلام أو أن يحفظوا إيمانهم ومعتقداتهم ومؤسساتهم الدينية بشرط أساسي وهو دفع الجزية، فيصبحوا عندها (ذميين) أي تقع مسؤولية حمايتهم في ذمة الدولة الإسلامية ، أما غير المؤمنين بالله فلهم خياران أيضا إما الدخول في الإسلام أو الانسياق للعبودية وفي كل الأحوال لم يكن هذا يطبق بشكل واسع في الإسلام على مر الأزمنة واختلاف الأماكن.

 

أنواع الجهاد

والجهاد نوعان:

• جهاد الطلب (طلب الكفار في بلادهم): بحيث يكون الكفار في حالة لا يحشدون لقتال المسلمين، فالقتال فرض كفاية وأقل فرص الكفاية سد الثغور بالمؤمنين لإرهاب أعداء الله، وإرسال جيش في السنة على الأقل، فعلى الإمام أن يبعث سرية إلى دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين، وعلى الرعية إعانته، فإن لم يبعث كان الإثم عليه، قال الأصوليون: (الجهاد دعوة قهرية فتجب إقامته بقدر الإمكان حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم-اي لا يؤذي المسلمين حتى ولو لم يكن مسلم-) .

 

• جهاد الدفع (دفع الكفار من بلادنا): وهذا يكون فرض عين بل أهم فروض الأعيان، ويتعين في حالة : دخول الكفار بلدة من بلاد المسلمين: ففي هذه الحالة اتفق السلف والخلف وفقهاء المذاهب الأربعة والمحدثون والمفسرون في جميع العصور الإسلامية إطلاقا أن الجهاد في هذه الحالة يصبح فرض عين على أهل هذه البلدة - التي هاجمها الكفار- وعلى من قرب منهم، بحيث يخرج الولد دون إذن والده، والزوجة دون إذن زوجها، والمدين دون إذن دائنه، فإن لم يكف أهل تلك البلدة أو قصروا أو تكاسلوا أو قعدوا يتوسع فرض العين على شكل دوائر الأقرب فالأقرب .